wrapper

أحدث الموضوعات

مصر القديمة التقويم المصري القديم هو أول تقويم عرفته البشرية ، ساير موكب الحضارة المصرية من خمسة وسبعين قرناً من الزمان ، فشغف شعب مصر بالنيل – نهر الحياة – دفعه إلي رصد موعد فيضانه :

وجد أن أول بشائر المياه السمراء ، أو فيض الخير الذي يحمله النيل ويجلبه معه من منبعه في الجنة إلي أرض مصر المقدسة تظهر مع مطلع نجم ثابت معين " يبدو " ويشرق بوضوح في سماء معبد أون "هيليوبوليس " في نفس اللحظة التي تشرق فيها الشمس . وهو نجم " سبدت " أو سيروس "الشعري اليمانية " أو كما عرفه العرب فيما بعد " سدرة المنتهى أو النجم الأخير sidera وهو أول مجموعة من النجوم المعروفة باسم "لكلب الأكبر " Sirius وبعد قيامهم بمراقبة ذلك النجم ورصده عدة سنوات توصلوا إلي تحديد طول دورته الفلكية أو الدورة الشمسية بدقة متناهية ، والتي حددوا طولها أو طول السنة الشمسية (رنبت) بالهيروغليفية ( رونبى ) بالقبطية في الحساب الفلكي المصري القديم تتكون من 365 يوماً وخمس ساعات و49 دقيقة و45 ثانية أي بفارق يوم كل 128 سنه . فوضعوا ذلك المقياس الزمني أساساً لتقويمهم ، وكان ظهور نجم الشعري اليمانية الذي يعلن ميعاد الفيضان هو يوم ميلاد العام ألجديد والذي أطلقوا عليه أسم التقويم التحوتى نسبةً إلي المعبود "تحوت " إله المعرفة وقياس الزمن .

وتبعاً لعلاقة ذلك التقويم بفيضان النيل وحياة مجتمع مصر ألزراعي وما أرتبط به من مواسم ري الأرض وزراعتها وحصاد المحاصيل وجمعها . قسموا السنة إلي ثلاثة فصول . طول كل منها أربعة أشهر ، أولها فصل الفيضان " أخت " ويبدأ من شهر يوليو إلي أكتوبر وثانيها فصل بذر البذور "برث " ويبدأ في شهر نوفمبر وثالثها فصل الحصاد " شمو " ويبدأ من شهر مارس وهكذا تتكون السنة المصرية من أثنى عشر شهر " أبد " بالهيروغليفية " أبوط " بالقبطية كل منها 30 يوماً ويضاف إليها شهر صغير " كوجى أن أبوط " بالقبطية لتصبح 365 يوماً وفي تاريخ لاحق أكتشف المصرين أن السنة ليست 365 يوماً بالضبط بل تزيد ربع يوم أضافوا إلي هذا الشهر الصغير يوماً سادساً كل أربع سنوات قدموه هدية إلي المعبود " تحوت " الذي علمهم الحرف والكلمة والتقويم وسمي المصريون أول يوم في العام فاتحة السنة " وبت رنبت " وكان يوماً يهيجا مليئاً بالاحتفالات العظيمة والأفراح الشعبية وكانت هذه الاحتفالات تدور في أساسها حول معنى النصر والتجدد نصر أوزوريس باعتباره رمز النيل والخصوبة علي الإله ست رمز الصحراء الملتهبة والحقول الجرداء والأغنية المصرية التالية من العصر المصري القديم عن اليوم الأول للفيضان تأخذنا إلي تلك الأيام السعيدة حيث احتفال أجدادنا بالعام الجديد .

إفرحى أيتها الأرض

فقد أتى وقت الخير

يا جميع الأتقياء تعالوا وانظروا

المياه تصعد .. وليس لها انحسار

النيل يحمل الفيضان العالي

والآلهة سعيدة وراضية القلب

الحياة تسرى في ضحك

والكل في انبهار

واتخذ الاحتفال بالعيد خلال الدولة القديمة مظهراً دينياً فكانت تقاليد الاحتفال تبدأ بنحر الذبائح كالقرابين للإله .. وتوزع لحومها علي الفقراء .. وكان بعضها يقدم للمعابد ليقوم الكهنة بتوزيعها بمعرفتهم . وكان سعف النخيل من أهم النباتات المميزة لعيد رأس السنة حيث كان سعف النخيل الأخضر يرمز إلي بداية العام لأنه يعبر عن الحياة المتجددة كما أنه يخرج من قلب الشجرة .. فكانوا يتبركون به ويصنعون ضفائر الزينة التي يعلقونها علي أبواب المنازل ويوزعون ثماره الجافة صدقة علي أرواح موتاهم ، وما زالت تلك العادات الموروثة والتي لم يطرأ عليها أي تغير حتى يومنا هذا .. كما كانوا يصنعون من سعف النخيل أنواعاً مختلفة من التمائم والمعلقات التي يحملها الناس في العيد علي صدورهم وحول أعناقهم ، كرمز لتجديد الحياة في العام الجديد وحفظها من العين الشريرة ،، وكان الشباب يحملون سعف النخيل في رقصاتهم الجنائزية ورقصاتهم الشعبية الجماعية .. ومن أقدم التقاليد التي ظهرت مع الاحتفال بعيد رأس السنة صناعة الكعك والفطائر وانتقلت بدورها من عيد رأس السنة لتلازم مختلف الأعياد التي جعل لكل منها نوع خاص به وكانت الفطائر مع بداية ظهورها في الأعياد تزين بالنقوش والطلاسم والتعاويذ الدينية .. وقد أتخذ عيد رأس السنة في الدولة الحديثة طابعاً دنيوياً ، وخرج من بين الأعياد الدينية العديدة ليتحول إلي عيد شعبي له أفراحه ومباهجه ومعانيه . وكانت طريقة احتفال المصرين به تبدأ بخروجهم إلي الحدائق والمتنزهات والحقول يستمتعون بالورود والرياحين ، تاركين وراءهم متاعب حياة العام وهمومه في أيام النسيء أو الأيام المنسية _ التي أسقطوها من التاريخ – خارج بيوتهم – وكانوا يقضون اليوم في زيارة المقابر ، حاملين معهم سلال الرحمة " طلعة القرافة " كتعبير عن إحياء ذكرى موتاهم كلما انقضى عام ورمز لعقيدة الخلود التي آمن بها المصريون القدماء . كما كانوا يقدمون القرابين للآلهة والمعبودات في نفس اليوم لتحمل نفس المعنى ، ثم يقضون بقية الأيام في الاحتفال بالعيد بإقامة حفلات الرقص والموسيقى ومختلف الألعاب والمباريات والسباقات ووسائل الترفيه والتسلية العديدة التي تفننوا في ابتكارها .. ومن أكلاتهم المفضلة في عيد رأس السنة " بط الصيد " و " الإوز " الذي يشوونه في المزارع والأسماك المجففة التي كانوا يعدون أنواعاً خاصة منها بالعيد .. أما مشروباتهم المفضلة في عيد رأس السنة " عصير العنب " أو " النبيذ الطازج " التخمير حيث كانت أعياد العصير تتفق مع أعياد رأس السنة ... ومن العادات التي كانت متبعة – وخاصة في الدولة الحديثة – الاحتفال بعقد القران مع الاحتفال بعيد رأس السنة ، حتى تكون بداية العام بداية حياة زوجية سعيدة ، كما كانت تقام أعياد ختان الأطفال مع نهاية أيام ، وبدء العام الجديد .

ومن التقاليد الإنسانية التي سنها المصريون القدماء خلال الأيام المنسية أ، ينسى الناس خلافاتهم وضغائنهم ومنازعتهم ، فتقام مجالس المصالحات بين العائلات المتخاصمة ، وتحل كثير من المشاكل بالصلح الودي والصفح وتناسى الضغائن وكانت تدخل ضمن شرائع العقيدة حيث يطلب الإله من الناس أن ينسوا ما بينهم من ضغائن في عيده المقدس ، عيد رأس السنة التي يجب أن تبدأ بالصفاء والإخاء والمودة بين الناس , وكان من التقاليد المتبعة أن يتسابق المتخاصمون .. كل مع أتباعه وأعوانه لزيارة خصمه أو عدوه كعكة العيد بين تهليل الأصدقاء وتبادل الأنخاب تأكيداً لما يقوله كتابهم المقدس كتاب الموتى " إن الخير أقوى من الشر والمحبة تطرد العداء " وهكذا كان كثير من القضايا يحل ودياً في العيد ، ويتسابق كل إلي بيت خصمه أو عدوه بصحبة أصدقاء ليكون له السبق في الصلح حتى ينال بركة الإله في العيد المقدس كما تنص علي ذلك تعاليم العقيدة .. كما شاهد عيد رأس السنة – لأول مرة – استعراض الزهور " كرنفال الزهور " الذي ابتدعته كليوباترا ليكون أحد مظاهر العيد عندما تصادف الاحتفال بعيد جلوسها علي العرش مع عيد رأس السنة .

ومن هنا ندرك أن فيضان النيل – الذي اعتمد عليه رخا المصرين ولا يزال حتى اليوم – محور اللاهوت المصري والعقائد الشعبية لذلك ينبغي أ، نقف لنتأمل معنى كلمة النيروز وعلاقتها بتاريخنا القومي فاللافت للنظر أن بعض الكُتاب يريدون القول بأن هذه الكلمة هي نفس الكلمة الفارسية نوروز وتعنى رأس السنة علي أنني أشك في أن تكون هناك علاقة أصيلة بينهما وسبب اعتراضي علي الرأي القائل بأن هذه الكلمة مشتقة من الفارسية يقوم علي عدة نقاط الأولى – وكما أوضحنا – أن العيد له جذور تاريخية مصرية قديمة جداً فهو يرتبط بالنيل وعقائد المصرين منذ أقدم العصور "4340 ق.م "

والنقطة الثانية هي أن الاحتلال الفارسي المتقطع الذي عانت منه مصر في القرن السادس قبل الميلاد وبدأ بعام 525 ق م عند هزيمة الفرعون بسماتيك علي يد الغازي الفارسي قمبيز بن قورش والذي أتسم بالدموية من جانب المحتل والمقاومة الباسلة من جانب المصرين قد ترك أثراً سيئاً في الضمير القومي مولداً كراهية سجلتها النصوص التاريخية .

من هنا يصبح من غير المعقول أن يأخذ المصريون فجأة وفي وقت متأخر جداً من تاريخهم الطويل مصطلحاً أجنبياً فارسياً ليطلقوه علي عيد وطني ديني له مثل هذه الدلالة والأهمية في حياتهم القومية لذا فالأقرب إلي الصحة أن يكون لهذا الاصطلاح "نيروز أو نأروز " جذر لغوى مصري نقى يعبر عن المعنى الخاص بهذا اليوم القومي المقدس .

وفي اللغة المصرية القديمة " الهيروغليفية " نجد عدة تعبيرات قريبة جداً من الكلمة وتعبر بدقة عن هذا المعنى المهيب لهذا اليوم في حياة وعقيدة المصري القديم ومن بعده القبطي والمصري بوجه عام علي مر الأجيال فالعبارة نور روج أو نوى روز أي الفيضان المنعش قد تكون هي الأصل ، كما أن هناك عبارات مصرية قديمة أخرى مشابهة مثل نوى روح ونور روز وتعنى علي التوالي وقت الازدهار والياه المنعشة .

هذا وقد ذهب الأنبا باسيليوس "مطران القدس الراحل " إلي أن كلمة النيروز مشتقة من أصل مصري وقد استعارها الفرس خلال فترة احتلالهم لمصر . ونضيف إلي ما قاله الأنبا باسيليوس أن الفرس لم يعرفوا هذا الاسم قبل احتلالهم لمصر واتخذوا الاسم الذي يعبر عن رأس السنة المصرية لصفات عيد أخر هو عيد شم النسيم وبداية الربيع أي بداية السنة الفارسية الذي يتوافق مع بداية السنة المصرية غير الزراعية أي عيد شمو أو شم النسيم بينما النيروز المصري يعبر عن عيد " أخت " أو الفيضان .

كما أن احتفاظ الأقباط المسيحيين بهذا التاريخ ثم صبغهم إياه بالطابع المسيحي عند اتخاذهم هذا العيد عيداً للشهداء واعتباره رأس أعيادهم يجعلنا نرجح أن يكون الاسم مصرياً في الشكل والجوهر فقصة النيروز القبطي المسيحي تبدأ بعام 384 ميلادية وهي السنة التي اعتلى فيها الإمبراطور الطاغية " دقلديانوس " عرش الإمبراطورية الرومانية وكانت قد حدثت في أيام حكمه أشنع الاضطهادات التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المسيحيين خاصة من أقباط مصر فلما أراد الأجداد أن يخلدوا ذكرى شهدائهم الأبرار اعتبروا سنة اعتلاء هذا الطاغية العرش بداية لتاريخهم وهكذا بدأ العام القبطي الأول ، وهكذا أصبح العيد عند الأقباط عيد ازدهار الإيمان وازدهار الشهادة والشهداء الذين ارتوت بدمائهم الأرض .

وأن كان الفيضان هنا من نوع جديد إلا أنه وحسبما سجل تاريخ الاضطهاد الروماني وعبر بحق إدوارد كلين عن اتخاذ الأقباط هذا التاريخ قائلاً " الواقع أن الموت البطولي لهؤلاء الشهداء لم يمجد فقط بتذكار شهاداتهم خلال التقويم المصري بل يمنحهم رتبة شرف عالية في الكنيسة فهم في الترتيب الكنسي يحتلون رتبة عالية تلي تلك التي للرسل مباشرة وتسبق مكانة القديسين العظماء "

وهنا ينضح أن النيروز المصري أقدم بكثير من النيروز الفارسي فهو عيد مصري قديم أول من أحتفل به الملك مينا الذي جلس علي عرش مصر قبل مجيء السيد المسيح بأربعة ألاف عام واحتفظ المصريون بهذا واحتفلوا به احتفالات عظيمة حتى بعد دخول العرب مصر ، بل إن العرب شاركوا في الاحتفال بهذا العيد فهو عيد مصري قومي خالص يختلف شكلاً ومضموناً عن العيد الفارسي الذين اتخذوه وعرفوه عن طريق مصر إبان احتلالهم لمصر وهذا ما جعل جيمس هنرى برستد يقول في كتابه فجر الضمير " لا يمكن أن يكون عيد النيروز فارسياً لأنه كان موجوداً قبل دخول الفرس بأجيال عديدة فهو عيد قومي محض للزراعة ولا يمكن أن يكون إلا لقوم يعشون علي الأرض الخضراء ويتغنون بحبوبها وضرعها ويمجدون شمسها وكواكبها . "

ومن هنا يتضح الفرق بين النيروز المصري والنيروز الفارسي والذي كتب عنه خطأ في كثير من الكتب والأبحاث ولو تأمل هؤلاء الباحثون الذين قاموا بهذا الخلط قليلاً لأدركوا الحقيقة .

ومن هنا أدركنا كيف ربط الأقباط بين عيد الشهداء وعيد رأس السنة المصرية القديمة بحيث يكون أولها ما جرى من استشهاد في عصر دقلديانوس من اضطهاد وبدايتها شهر توت ، وقد استمر الاحتفال برأس السنة القبطية علي مر العصور ففي العصر الفاطمى كان يشارك الحكام الفاطميين في أحياء هذا العيد وكان يوم عطلة عامة تغلق فيه السوق ويوزع الخليفة الكسوة علي رجال الدولة ونسائهم وأولادهم ويصرف حوائج العيد من بيت المال .

ولذا نري أن هذا العيد عيداً قومياً مصرياً ينبغى أن تحتفل به كل مصر تحتفل بفيضان نيلها وتضحيات شهدائها وأن يكون أجازة رسمية وتفرد له المسحات الإعلامية لأننا نرى أنه عيد لكل المصرين .

عصام ستاتى