wrapper

أحدث الموضوعات

في عيد الإعلاميين الثامن عشر 2001 ، وفى احتفال مهيب أطلق الرئيس السابق حسنى مبارك إشارة البدء لإطلاق العديد من القنوات الفضائية الجديدة العربية والخاصة ـ المحور وتميمة ودريم ـ وقناة التنوير المتخصصة ، إضافة إلى 32 محطة إذاعية مصرية وعربية ودولية تبث من خلال النايل سات :

كخطوة على الطريق من اجل الريادة الإعلامية المصرية التى أوهمنا بها وزير إعلامه السابق صفوت الشريف ، والتي نتمنى حدوثها على أرض الواقع ونتوق لرؤية ما أسماه الأستاذ هيكل بالقوة الناعمة للثقافة المصرية ، قبل أن ينسحب البساط من تحت أقدام المصريين في مجالات تفوق فيها منذ البداية ، كما تفوق في السينما والإذاعة والدراما .

وكان التلفزيون العربي الذي أنشئ في الستينيات ، وما قدمه من أعمال درامية وفنية وثقافية ، خطوة من خطوات التفوق المصري ، وبسط نفوذه الثقافي في المنطقة العربية ، وكان من المتوقع لقناة التنوير أن تتخذ لنفسها شخصية مميزة ، من خلال اعتمادها على أرشيف التليفزيون في عصره الذهبي ، ومن خلال البحث عن القيم الأصيلة في المجتمع المصري ، وإلقاء الضوء على المناطق المضيئة في الحياة المصرية ، قديمها وحديثها ، وإبراز قيم التسامح الديني ، والتأكيد على حق المواطنة لجميع فئات المجتمع المصري ، ليس للمسلم والمسيحي ، بل ولكل المهمشين ، ولكل من ساهم بدور في بناء هذا الوطن ، دون أن يعيره أحدهم أي انتباه ، تجلى ذلك في سبع سنوات من العمل الجاد لفريق تم اختياره بدقة ، وتم تأهيله قبل افتتاح القناة بمجموعة متنوعة من الدورات التدريبية والتثقيفية ، التي تؤهله لتحمل مسئوليته وإدراك الواقع المعاش بشكل صحيح ، والحق يقال أن اختيار هذا الفريق تم بموضوعية شديدة دون وساطة من أي نوع ، سوى الكفاءة والثقافة ، وكل من تقدم بأوراقه في فترة التحضير للقناة ، خضع لمجموعة من الاختبارات حتى تكون فريق شاب طموح ، قادر على تحمل المسئولية بأمانة وحب ، ولأن الرياح تأتي دائماً بما لا تشتهي السفن ، فقد واجهت القناة العديد من المشاكل  منذ انطلاقها ، فهناك أربعون برنامج على الورق ، يتم تنفيذها بكاميرا واحدة دائمة الأعطال ، هي المخصصة للقناة لتصوير جميع برامجها ، وعدد محدود من ساعات التصوير في أستوديو الجيب التابع لصوت القاهرة ، مع فقر شديد في الميزانيات المخصصة للديكورات ، وعدد ساعات مونتاج أقل من ربع المطلوب لتنفيذ هذه البرامج ، حتى المواد الأرشيفية التي تعتمد عليها القناة في إنتاج بعض البرامج تلاقي صعوبات جمة في الحصول عليها ، لعدم توافر قطع غيار للأجهزة القديمة التي تنقل المواد الأرشيفية منها إلى شرائط حديثة حتى يتسنى مشاهدتها وعرضها ، فمكتبة التليفزيون مليئة بالكنوز على شرائط واحد واثنين بوصة القديمة ، التي يصعب استرجاعها ، وتعرض معظمها للتلف وما نجا منها تم تهريبه وسرقته ، ويعرض الآن على العديد من الفضائيات العربية ، ورغم هذه الصعوبات فقد تمكنت القناة في سبع سنوات عجاف ، أن تخلق لها جمهور واع ومدرك لقيمة الدور الذي تلعبه ، حتى جاء شهر أغسطس 2008 ، لينقطع الإرسال الخاص بالقناة وتحل محلها قناة ( نايل سينما ) وكانت خطوة جيدة لإعادة الفيلم المصري إلى الشاشة المصرية من جديد ، وكانت هذه أهم إنجازات وزير الإعلام السابق أنس الفقى ، ورجله المدلل أسامة الشيخ ، بناء إعلام هش بلا مضمون  :

-        فكرة إغلاق رافد ثقافي وتنويري مهم مثل قناة التنوير ، بحجة تشابه برامجها ببرامج القناة الثقافية ، التي فوجئ العاملين بها وهم حوالى ستون شخص بضمهم إليها إعتباراً من  1 / 9 / 2008 ، ثم تشتيتهم بين قنوات قطاع قنوات النيل المتخصصة ،  فكرة خاطئة مائة في المائة ، وينطبق معها تشابه الأفلام المعروضة في نايل سينما وغيرها مع المعروض على روتانا التي تم شراء حق عرض الأفلام منها ، وميلودي أفلام وغيرها من القنوات ، فما الجديد في هذه الحالة ، لماذا لم تتدخل الجهات المعنية لفض هذا الاشتباك إن كان هناك ثمة تداخل أو تشابه في بعض البرامج هنا أو هناك ، بدلاً من فكرة الإغلاق . ومن الغريب أن ميزانية قناة التنوير الفعلية على مدى السنوات السبع الماضية ، لا تبلغ ميزانية برنامج واحد تم إنتاجه هذا العام ، أو ميزانية قنوات أخرى في عام واحد ، ومع ذلك تتم المقارنة بينها وبين القناة الثقافية ، دون أن تتاح لها ربع إمكانياتها .

-        ما المانع أن تكون هناك عشرة قنوات ثقافية لا قناة واحدة ، لمواجهة حالة التردي الثقافي ، والانهيار القيمي والأخلاقي التي لا ينكرها أحد في الشارع المصري ، في مواجهة عشرات بل مئات القنوات التي تلعب على أوتار الجنس والعري ، أو القنوات الدينية التي لا توجد أية ضوابط لما تقدمه وتبثه في شعب متدين بطبعه كالشعب المصري ، فما هي الأولوية في هذه الأوقات ، لأفلام تم عرضها على الفضائيات العربية مئات المرات ، أم لإنشاء وتطوير قنوات جادة وهادفة تسعى للنهوض والارتقاء بالمجتمع بدلاً من ترفيهه فقط .

-        ورغم الوعود الكثيرة بعدم الإضرار المادي والأدبي للعاملين في قناة التنوير ، بعد ضمها إلى القناة الثقافية ، فمعظم العاملين بالقناة من مخرجين ومعدين ومذيعين ، ظلوا في إجازة إجبارية ودون عمل لأكثر من عام ، رغم الوعود التي تلقوها بوجود ساعات مخصصة لبرامج قناة التنوير على شاشة القناة الثقافية ، ـ وكما صرح بذلك أسامة الشيخ رئيس قطاع القنوات المتخصصة وقتها ، في أكثر من مؤتمر صحفي ـ رغم اختيار بعض البرامج بالفعل للإذاعة على شاشة الثقافية ، لكنها برامج تم إنتاجها بالفعل في قناة التنوير منذ فترة ، ورغم أن القرار كان متوقعاً منذ فترة طويلة ، وتحديداً قبل تقاعد الشاعر / ماجد يوسف رئيس قناة التنوير في 24/8/2008 ، إلا أنه لم يتم وضع تصور لعملية الدمج أو الإلغاء قبل تنفيذ القرار ضماناً لحقوق العاملين ، واستمراراً لعملهم ، بدلاً من هذا الوقف الجماعي لأكثر من ستين فرداً ، كل منهم قد ضبط حياته على مستوى دخل معين ، فوجئ بانقطاعه تماماً في ظروف اقتصادية طاحنة وغلاء لا يطاق . وكأنما هي حالة عقاب جماعي وتسوية حسابات لا دخل لهم فيها . 

-        ثم فوجئ أبناء قناة التنوير في 11 / 10 / 2008  بعد سفر أسامة الشيخ إلى فرنسا بصدور قرار إداري بنقل 39 منهم إلى مجموعة من القنوات المختلفة ( الرياضية ـ التعليمية ـ التعليم العالي ـ إدارة الإنتاج المتميز) ، وثلاثة منهم فقط للعمل في القناة الثقافية كانوا يعملون فعلياً في القناتين قبل إغلاق التنوير ، حيث رفض الباقون العمل بها ، أو منعوا من العمل لوجود خلافات قديمة بين جمال الشاعر وماجد يوسف ، تمت تصفيتها فعلياً بعقابهم ومنعهم من العمل .   

-        وما كان يزيد من حنق العاملين بقطاع القنوات المتخصصة ، وفود مجموعة كبيرة من خارج القطاع ، وإسناد مجموعة كبيرة من الأعمال إليهم ، رغم وجود كفاءات كثيرة من أبناء القطاع بقنواته المختلفة بحجة التطوير الوهمى التى دعا اليها أسامة الشيخ ، مما أجلس معظمهم في بيوتهم بلا عمل ، لا لسبب إلا أنهم اخلصوا للمكان الذي ينتمون إليه ، ولم ينضموا إلى قافلة القنوات الفضائية الخاصة ، التي قدم منها العاملون الجدد . ينطبق هذا على قنوات النيل للدراما والنيل للمنوعات ( نايل لايف حالياً ) .

-        والغريب أن وسائل الإعلام المختلفة لم تنتبه لهذا الإغلاق ، فالأهرام مثلاً ظلت تنوه عن برامج التنوير حتى 5/10/2008 رغم إغلاقها قبل ذلك بفترة طويلة ، والأدهى من ذلك أن رئاسة الإتحاد نفسها فوجئت بقرار الإغلاق وبدأت تسأل عن السبب في ذلك ، ولكن بعد ثلاثة أسابيع من اختفاء القناة  !!!.

نزار مغاورى : مخرج بالتلفزيون المصرى