wrapper

أحدث الموضوعات

يقول أخناتون مخاطباً آتون الإله الأعظم : أنت خلقت النيل فى العالم الأرضى ، وأنت تخرجه بأمرك فتحفظ به الناس . يا إله الجميع ، حين يتسرب إليهم الضعف ، يا رب كل منزل ، أنت تشرق من أجلهم .

 يا شمس النهار ، يا من تخشاه البلاد القاصية ، أنت موجد حياتهم . أنت الذى خلقت فى السماء نيلاً  ، لكى ينزل عليهم ولهم . يتساقط الفيضان على الجبال كالبحر الزاخر ، فيسقى مزارعهم وسط ديارهم . ما أبدع تدابيرك يا إله الأبدية . فى السماء نيل للأمم الغربية  ، ولماشية البلاد الأخرى ودوابها ، ولكل ما يمشى على رجلين  ،  أما النيل الذى يروى مصر ، فإنه يجئ من باطن الأرض .

تتجدد مياه النيل وتظل المصدر الرئيسى لحياة المصريين على مدار التاريخ فى المأكل والمشرب والمواصلات ، ونقل الأحجار والمسلات والتماثيل ، فنشأت الحضارات المصرية القديمة على ضفافه وتألقت مجالات الإبداع الفنى والعلمى المختلفة ، ففى جميع العصور ، منذ بدء التاريخ ، عنى المفكرون بأمر النيل ووصفه ، ومحاولة تفسير ظاهراته المختلفة ، ذلك لأن حضارة من أقدم الحضارات وأرقاها نشأت فى أدنى وادى النيل ، ونمت وازدهرت ، وكانت ينبوعاً استمدت منه أمم كثيرة حضارتها ورقيها .

كان ظاهراً لجميع سكان مصر ولغيرهم ممن خالطوهم واتصلوا بهم أن حضارة مصر ، مصدرها الأكبر هو النيل ، الذى ترتب عليه جميع ما لمصر من الثروة والرخاء . فكان من الطبيعى أن يفكر المصريون وغيرهم فى أمر النيل وفى مصدر ذلك الفيضان الذى يعم الوادى كل عام بانتظام تام . وكان طبيعياً أن تنشأ حتى فى ذلك العهد البعيد تلك المسألة الجغرافية المشهورة ( مسألة النيل ) أو ( سر النيل ) ، ذلك السر الذى لم يتم حله إلا فى عصرنا هذا ، وقد شغل المفكرين منذ ستة آلاف سنة .

يقع نهر النيل في الجزء الشمال الشرقي من قارة أفريقيا، ويبدأ مساره من المنبع عند بحيرة فيكتوريا ـ  الواقعة بوسط شرق القارة الأفريقية ـ ثم يتجه شمالا حتى المصب في البحر المتوسط ، بإجمالي طول 6.695 كم ، ويغطي حوض النيل مساحة 3.4 مليون كم²، ويمر مساره بعشر دول إفريقية ( أصبحت 11 دولة بعد تقسيم السودان )  يطلق عليها دول حوض النيل وهى : مصر – السودان – إثيوبيا – كينيا – بوروندي – رواندا – تنزانيا – أوغندا – الكونغو – إريتريا  .  وقد تم توقيع اتفاقية نهر النيل عام 1959  لتقسيم مياه النيل تقسيما عادلا بين هذه الدول العشر .وهو ما يتم التفاوض والضغط من أجل تغييره وفرض واقع جديد ، خصوصاً بعد تراجع مصر فى العقود الأخيرة عن دورها فى قارة أفريقيا ، البعد الإستراتيجى والأمنى الأهم والأقوى لمصر ، وفى انتظار قيادة جديدة لمصر تراعى هذا الدور وتدعمه وتقويه ، قبل أن تضيع حصة مصر من مياه النيل .

ومنذ فجر التاريخ ، اعتمدت الحضارات التي قامت على ضفتي النيل على الزراعة ، كنشاط رئيسي مميز لها ، خصوصا في مصر ، نظرا لكونها من أوائل الدول التي قامت علي أرضها حضارات ، لهذا فقد شكل فيضان النيل أهمية كبري في الحياة المصرية القديمة ،  كان هذا الفيضان يحدث بصورة دورية في فصل الصيف ، ويقوم بتخصيب الأرض بالمياه اللازمة لما قام الفلاحون بزراعته طوال العام في انتظار هذه المياه.

ففي مصر الفرعونية ، ارتبط هذا الفيضان بطقوس شبه مقدسة ، حيث كانوا يقيمون احتفالات وفاء النيل ابتهاجا بالفيضان ، وجعلوا من الإله حابى رمزاً للنيل ، ومن أرباب النيل أيضا "سوبيك"؛ الرب التمساح ، الذى كان يعبد في إسنا وكوم امبو والفيوم  . ومعه هؤلاء الصبية الستة عشر الذين يمثلون قيمة إرتفاع منسوب النيل ،  فإذا كان ارتفاع مياه النيل 16 وحدة يعد بشيرا بوفاء النيل ، وأن الأراضي ستروى ، ويكون الخراج كافيا لسد احتياجات الدولة . أما إذا كان ارتفاع المياه أقل من 16 وحدة كان علامة على قدوم الجفاف ، ومن ثم تتهيأ الدولة لأخذ الاحتياطات اللازمة . وفي حال ارتفاع المنسوب أكثر من 19 فهذا ينبئ بقدوم كارثة الفيضان ، ولا بد أن تبدأ الدولة في ترتيب خطوط دفاع لها.

 ومنذ استقرار الإدارة المركزية للدولة ، واصل قدماء المصريين تسجيل منسوب مياه النيل في سجلات رسمية. وتظهر أقدم السجلات لمناسيب الفيضان على حجر باليرمو، من الأسرة الخامسة؛ ويحمل عدد 63 سجلا لمناسيب مياه النيل. وتواصل القياس، وتطور، حتي عام 715 الميلادي ؛ حين بني مقياس النيل أو مقياس الروضة ، على جزيرة الروضة . واستمر استخدام هذا المقياس حتى بداية القرن العشرين .

 وكان لرصد منسوب مياه النيل تأثير على تقدير قيمة الضرائب والمساحات التي يمكن ريها خلال العام . وكانت الأقاليم مسئولة ، عقب الفيضان ، عن إدارة القنوات والترع ؛ بينما أجريت عمليات قياس مساحات الأراضي ومناسيب المياه ، على المستوى القومي.

وقد بنى العرب القنوات والجسور والخلجان لأجل الري والزراعة ، وكانت الاحتفالات والأدعية تعقد داخل جامع عمرو بن العاص ، الذي كان يطل على النيل عند إنشائه ، لزيادة ماء النيل . ويبعد مجرى النهر الحالي 500 متر غرباً عن مجراه خلال الفترة الإسلامية المبكرة في مصر نتيجة للإرساب النهرى .

     لقد اثار ذلك الشريان فى تدفقه وعطائه وفيضه خيال وملكات الفنان المصرى عبر العصور فظهر النيل فى اللوحات الجدارية على جدران المقابر والمعابد وعناصر البيئة المختلفة ، المصفوفة على ضفافه وتزخر بالقيم الفنية النبيلة ،  فقد ظهرت اعترافات الانسان المصرى القديم ،  للمتوفى فى لحظة الحساب امام الآلهة " أنا لم ألوث ماء النهر.. أنا لم أحرم عطشان من الماء.. أنا لم أمنع المياه عن حقل جار..

    ويأتى الفنان المصرى فى القرن العشرين ، ليحمل كماً من المشاعر الفياضة ، تجاه النهر الذى ملأه بالطاقة الإبداعية فى سائر الفنون ، ولا ننسى أحمد شوقى فى رائعته "النيل نجاشى"، وحافظ ابراهيم الذى لقب بـ"شاعر النيل" بينما نظم الشاعر محمود حسن اسماعيل عقد من الماس فى قصيدته التى تغنى بها عبد الوهاب "النهر الخالد" .

    وقد حرص المصريون على مر العصور والأزمان ، على ضبط مياه النهر للإستفادة القصوى من مياهه فى شتى نواحى الحياة ، بدءاً من القناطر والترع والخزانات ، إلى أن جاءت ثورة يوليو 1952 ، وهى تحمل مشروعها العظيم الذى فجر الكثير من الطاقات الخلاقة ، ودخلت به مصر عصراً جديداً غير الكثير من أوجه حياتها .

  بدأ العمل فى بناء السد العالى فى 9 يناير1960 ، تم الانتهاء من تنفيذ المرحلة الاولى فى 16 مايو 1964 ، تم الانتهاء من تنفيذ المرحلة الثانية فى 15 يناير 1971 ، وقد ساعد السد العالى على زيادة نصيب مصر من مياه النيل حيث اصبح 5و55 مليار متر مكعب سنويا ، زيادة مساحة الرقعة الزراعية فى مصر بحوالى 2و1 مليون فدان ، تحويل 970 ألف فدان من نظام الرى الحوضى الى نظام الرى الدائم مما زاد من انتاجية الفدان ، التوسع فى زراعة الأرز الى 700 ألف فدان سنويا ، تحسين الملاحة النهرية على مدار السنة ، توليد طاقة كهربائية جديدة تصل الى 10 مليار كيلووات سنويا، استغلت فى انارة القرى والمدن وأغراض التوسع الصناعى والزراعى ، وقاية البلاد من أخطار الجفاف فى السنوات الشحيحة الايراد مثل ما حدث فى الفترة من عام 1979 الى عام 1987 ، وقاية البلاد من اخطار الفيضانات العالية مثل الفيضان المدمر الذى حدث عام 1964 والفيضان الاكثر خطورة الذى حدث عام 1975 .

    لكن تبقى مشكلة كبيرة تواجه المصريين ، كما تواجه دول حوض النيل جميعها ، وهى الحصة الثابتة من المياة التى وزعت بموجب إتفاقية 1959 ، والتى لا تتماشى مع الزيادة السكانية التى تحتاج الى توسع فى استخدامات المياة ، فى المجالات الزراعية والصناعية المختلفة ، كما قلت معها حصة إستهلاك الفرد من المياه ، ومع مخاطر الجفاف التى تجتاح القارة الأفريقية بين الحين والأخر ، تصبح نقطة المياة أغلى من الذهب والجوهر ،

يقول الشاعر المصرى القديم ، فى قصيدة ترجع الى القرن التاسع عشر قبل الميلاد :

     حمداً لك أيها النيل الذى يتفجر من باطن الأرض ، ثم يجرى ليغذى مصر ، فهو الذى يسقى المروج ، وقد خلقه رع لكى يطعم كل دابة وماشية ، ويرسل الماء الى الجهات البعيدة ، فيروى مجدبها ، ويطفئ ظمأها ، إله الزراعة ( كاب ) يحبه ، وإله الصناعة ( فتاح ) معجب به ، فلولاه ما إزدهرت الزراعة ولا الصناعة ، ولولاه ما حصد القمح والشعير وإمتلأت بهما الخزائن ، وأقامت الهياكل حفلات الشكر على الغلة الموفورة والخير العميم  ، والويل للأرض ومن عليها حين يقل ماؤه ، ويجئ فيضانه شحيحاً قليلاً  ، هنالك تهلك النفوس وينادى الجميع بالويل والثبور ، حتى إذا إرتفع وفاض ، إنتشر الفرح والإبتهاج فى كل مكان  ، وضحك الجميع حتى بدت أسنانهم  ، هو الذى أنبت الشجر فى كل بقعة  ، ووفر الأخشاب لبناء السفن  ، ولولاه ما كانت الجوارى تشق عباب اليم  ، فواعجباً له من ملك عظيم ، ولكنه ملك لا يجبى إتاوة ، ولا يفرض ضريبة .. صادق الوعد ، وفى بالعهد .  يجئ خيره كل عام بإطراد وانتظام الى مصر العليا ومصر السفلى  ، يسبغه على الغنى والفقير ، والقوى والضعيف من غير تمييز أو محاباه

إن الخير الذى يجلبه أجل نفعاً من الذهب والفضة ، وأعلى قدراً من الجوهر  ، إن الناس لن تأكل الذهب ولو كان صرفاً  ، ولن تتغذى بالجوهر ، وإن كان حراً نقياً .

 

خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
في الاحتفال باكتمال بناء السد العالي

أسوان، 15 يناير 1971
الأهرام، القاهرة: 16 يناير 1971

بسم الله

        قبل أن أبدأ حديثي- أيها الإخوة- لابد أن أتوجه إلى الأخ والصديق الرئيس بودجورني بخالص الشكر والعرفان على قرار الحكومة السوفيتية بكهربة الريف المصري.

        إن هذا القرار يسجله شعبنا مع قرارات عرفناها في ساعة الظلام. واليوم ونحن نبني بلدنا، يمد الاتحاد السوفيتي المساعدة، ليس فقط في ساعات الظلام والشدة، وإنما لكي نبني بلادنا وننير قرانا لكي نطور مجتمعنا في ساعات الشدة وفي ساعات الرخاء. لن ننسى للاتحاد السوفيتي أبدا هذه القرارات، وباسمكم أقول لهم سنكون دائما الأصدقاء الأوفياء الأقوياء.

أيها الإخوة

        لا يسعني أن أبدأ هذا الحديث من هذا الموقع، في هذه المناسبة، إلا بذكر إنسان عظيم كان له الفضل الأول والأكبر في بلوغ الهدف وتحقيق الحلم.

        إن جمال عبد الناصر وسد أسوان العالي كلاهما رمز عظيم.

الأول، جمال عبد الناصر، رمز للأمة.

والثاني، السد العالي، رمز لطاقة هذه الأمة.

        ولقد امتزج كلاهما بالآخر إلى درجة يمكن أن نقول معها إن السد العالي يستطيع أن يحكي كل جوانب القصة الهائلة لعمل ودور جمال عبد الناصر. كما أن دور وعمل جمال عبد الناصر يمكن أن يروي كله بالقصة الهائلة للسد العالي.

        ومن عجب - أيها الإخوة - أن نتذكر أن جمال عبد الناصر في آخر خطاب رسمي وشعبي له أمام جماهير أمتنا في 23 يوليه الماضي، حرص على أن يبدأ ذلك الخطاب وبطريقة لافتة للنظر الآن، برسالة جاءته من وزير السد العالي يخطره فيها بأن السد العالي قد تم بناؤه.

        كأنه كان يريد أن يقول لنا إن الأمل تحقق.

كأنه كان يريد أن يقول لنا إن الطريق واضح.

        وأن نلتقي اليوم هنا بعد رحيل القائد الخالد لنحتفل مع أعز الأصدقاء بتمام وكمال هذا البناء الإنشائي الكبير. فإن هناك معان لا يمكن أن تغيب عنا.

        أمامنا هنا الحياة التي ظلت أحقابا طويلة وقرونا طويلة تنتظر إرادة التغيير، كان هذا هو الحلم. أن يحمل في صدره آمال أمته المكبوتة ثم يفجرها في دعوة للثورة.

        أمامنا هنا سيرة البطل الذي استطاع أن يحمل في صدره آمال أمته المكبوتة ثم يفجرها في دعوة للثورة.

        أمامنا هنا إنجاز عظيم قام به شعب أصيل، ولم يكن هناك غير شعب أصيل يتحمل مثله هذه المسئولية. شعب أصيل حافظ على آماله عبر العصور، ثم استجاب لقيادته الوطنية في لحظة حاسمة من تاريخ النضال يوم 23 يوليه 1952.

        باختصار أمامنا هنا- أيها الإخوة- الحلم، والقائد والعمل.

        أو بتعبير آخر، أمامنا هنا- أيها الإخوة - المبدأ، والثورة، والشعب.

        وهناك معان أخرى- أيها الإخوة- نستشعرها في هذه اللحظة المجيدة.

        أن نحتفل بتمام وكمال بناء السد العالي في غياب بطله، فذلك معنى الاستمرار.

        وأن نحتفل بتمام وكمال بناء السد العالي وسط جو المعركة، فذلك معنى الإصرار.

        وأن نحتفل بتمام وكمال بناء السد العالي وسط أخلص الأصدقاء، فذلك معنى أننا لسنا وحدنا في المعركة. وإنما معنا كل قوى الخير والمحبة والحرية والسلام في هذا العالم.

أيها الإخوة والأصدقاء

        من دواعي سعادتي، ومن دواعى الشرف أن أقف في هذه المناسبة أمام التأييد الكبير والفعال الذي قدمه لنا الاتحاد السوفيتي وشعوبه العظيمة وقياداته المقتدرة في تشييد هذا العمل الكبير، وهذا الرمز الكبير في نفس الوقت.

        إن دور الاتحاد السوفيتي في هذا العمل العظيم لا يحتاج مني إلى مقارنة بدور سواه. ولكن المكان هنا، والمناسبة الآن، والجو المحيط بنا، والشواغل التي تلح علينا، تفرض إشارة إلى هذه المقارنة. كان هنا على

هذه الأرض تعهد أمريكي بالمساعدة في بناء السد العالي. ولكن الذين قطعوا على أنفسهم هذا العهد، كانوا هم الذين كسروه ونقضوه وتصوروا بذلك أنهم قادرون على أن يهزوا ثقة أمتنا بنفسها وبأحلامها وقياداتها الثورية وآمالها في التطور والثورة. وتوجه جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفيتي. لم يكن الاتحاد السوفيتي مقيدا بالتزام ولا بوعد.

        ومع ذلك تقدم الاتحاد السوفيتي، التقى بجمال عبد الناصر، والتقى بشعبنا، وتم بناء السد العالي.

        إن الوعد الأمريكي المكسور لم يكن أول وعد ولا آخر وعد قطعه ثم نقضه أصحابه.

        والدعم السوفيتي لنا في بناء السد العالي، لم يكن أول ولا آخر دعم قدم لنا. أو بالأصح قدم تعبيرا عن آمال الحرية والسلام للشعوب المتطلعة إليهما، والمتمردة على الاستغلال الاستعماري والقهر الإمبريالي.

        إن الوعود الأمريكية المكسورة والمنقوضة في كل ناحية. لم

يكتف أصحابها بكسرها ونقضها فقط ولكنهم تمادوا فيما هو أكثر من

ذلك، ووقفوا بالعمل موقفا معاديا لكل ما حاولوا تزييفه بالقول.

        سنة 1953، كان منهم وعد السلاح. كسروه ونقضوه وأعطوا السلاح لإسرائيل.

        سنة 1956، كان منهم وعد المساعدة في بناء السد العالى. ما حدث تعرفونه جميعا.

        سنة 1957، كان منهم وعد ترك التطور السياسي والاجتماعي يأخذ طريقه الحر في المنطقة، بحيث لا يفرضون عليها ما هو مضاد لإرادتها. في نفس السنة، كانت منهم مؤامرة محاولة غزو سوريا.

        ومع ذلك ما لنا وللتاريخ البعيد.

        سنة 1967، كان منهم وعد التعهد بالمحافظة على السلامة الإقليمية لدول المنطقة. في نفس الوقت كان عملهم كله تأييدا للعدوان الإسرائيلي ومباركة لمخططاته.

        سنة 1968، كان وعدهم بالمساعدة في تنفيذ قرار مجلس الأمن. في نفس السنة أعطوا إسرائيل طائرات الفانتوم.

        سنة 1969، كان وعدهم بضرورة حل الأزمة. فى نفس السنة كان انحيازهم كاملا لإسرائيل.

        سنة 1970، كان وعدهم الذي تمثله مقترحات روجرز. في نفس السنة أعطوا إسرائيل 500 مليون دولار، لكي تزداد صلافة وكبرياء في رفض كل محاولة للسلام القائم على العدل.  بل في هذه الأيام- من سنة 1971- نسمع رغبتهم في السلام. في نفس الوقت نجد دعمهم للعدوان ولاستمرار الاحتلال ضد أراضينا، وللإهدار الكامل لحقوق شعب فلسطين.

        إن وعدهم المكسور المنقوض في السد العالي، حلقة في سلسلة مستمرة، بما لا يترك أمامنا إلا مجالا للاعتقاد بأن ما نحسه هو خط سياسي أمريكي مرسوم يعادي آمال الأمة العربية ويهدد تطلعاتها المشروعة في تطور سلمى يبني للحياة ولا يستنزف نفسه في الحرب.

        إن كل وعد أمريكي مكسور منقوض يقابله - أيها الإخوة - وعد سوفيتي تحقق، أو هو في سبيل التحقق. في كل المجالات أمل وعمل. في الصناعة، في استصلاح الأراضي، في مد شبكات الكهرباء، في السلاح، في التدريب، في المساندة السياسية المحدودة واللامشروطة، لأنها واثقة من أن موقفها شركة في الدفاع عن الحرية وفي الدفاع عن السلام.

أيها الإخوة

        إنني أريد في هذه الفرصة، ونحن على أبواب امتحان حاسم في تاريخ شعبنا وأمتنا، وفي مسار نضالنا وعملنا أيضا، أن أحدد أمامكم موقفنا بطريقة لا تقبل الشك ولا التأويل.

أولاً: إننا نطلب السلام القائم على العدل. ومطلبنا في السلام حقيقي، لأن أمامنا كثيرا من مهام السلام، تتمثل في البناء والتعمير والتطوير لطاقات شعبنا الاقتصادية والاجتماعية.

ثانياً: إننا لا نستطيع أن نرضى باستمرار الاحتلال لأراضينا. ونحن نعتقد أن الواجب المقدس، بل أن الحق المقدس لكل شعب وكل أمة يتمثل في الدرجة الأولى في الدفاع عن أراضيها ضد المستعمرين والغزاة، مهما كانت قوتهم ومهما كان سندهم.

ثالثاً: إننا قبلنا بقرار مجلس الأمن. معتقدين أنه يحوي معظم عناصر الحل العادل لأزمة خطيرة في مكان خطير من العالم، وإذا كنا نشعر بالتزاماتنا تجاه أراضينا، فإننا نشعر أيضا بالتزام أمام السلام العالمي.

رابعاً: إننا لم نذهب إلى الأمم المتحدة لنتوه في المناورات العقيمة. ولا لنغرق في الصياغات الغامضة، ولكننا ذهبنا نطلب حلا على مبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية.

        ولقد تعاونا إلى أبعد حد، مع المجتمع الدولي، ورحبنا بدور كبير للدول الأربع الكبرى باعتبار مسئوليتها الخاصة بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن. ولم نكن نستوفي شكلاً، وإنما كنا في الحقيقة نطلب حلاً.

خامساً: إن امتنا العربية مصممة. إن شعبنا المصري قادر. إن قواتنا المسلحة تعرف واجبها . إننا نريد السلام، إذا كانت للسلام فرصة.

       ولكننا مطالبون أولاً وأخيراً بتحرير الأرض، وبتحقيق الإرادة الوطنية والقومية.

سادساً: إن شعب فلسطين ليس مجموعة من معسكرات اللاجئين، ولكنه شعب له كل الحقوق الوطنية. إن قضيته ليست مسألة عطف إنساني،

ولكنها قضية وجود سياسي بكل ما يترتب على ذلك من القيم والمعاني.

أيها الإخوة

       إنكم قد سمعتم وسوف تسمعون هناك كثيراً من غيري عن حجم السد العالي، وعن مقدار الجهد الذي بذل فيه، وعن الآمال الواسعة والمنجزات الكبرى التي ترتبت وسوف تترتب على تمام بنائه وكماله.

       ولكني أريد مرة أخرى، وقرب ختام حديثي إليكم، أن أتحدث عن الرمز في السد العالى، بعد أن سمعتم وتسمعون كثيراً عن العمل الذي تم فيه.

       إن السد العالي معركة تمت واكتملت بالانتصار. انتصار الإرادة وانتصار الجهد العلمي المنظم وانتصار صداقة الحرية والسلام.

       والرموز الكبرى في حياة الأمة ليست حادثة تقع وتنسى. وإنما الرموز الكبرى في حياة الأمم إشارة إلى طاقات مستمرة.

       إننا اليوم نظن انتصارنا في معركة، وغداً نحن على أبواب تحد آخر. ولكن الإصرار هو نفس الإصرار. والإرادة هي نفس الإرادة. والعهد العلمي المنظم هو نفس الجهد العلمي المنظم. وصداقة الحرية والسلام هى نفسها صداقة الحرية والسلام.

أيها الإخوة

       إنني أريد أن أحيط مرة أخرى ذكرى القائد الذي رحل، وفي نفس الوقت أحيي جهد شعبه الباقي إلى الأبد.

       إنني أريد أن أحيي مرة أخرى قيمة الصداقة العربية السوفيتية، ممثلة في الصديق نيقولاي بودجورني. وفي نفس الوقت أحيي أصالة هذه الصداقة العربية السوفيتية واستمرارها.

       وأحيي مرة أخرى عمق مشاعرنا تجاه إخوة لنا وأصدقاء. أخص منهم بالذكر الإخوة الذين شاركونا هنا من السودان وليبيا والصومال، وكل رؤساء الوفود الذين يلتقون معنا اليوم ذاكراً بالصدق محبتهم لنا وتأييدهم لنا.

كما أنني لابد أن أشيد بالجهد المشترك للعمال والمهندسين العرب والسوفيت. ذاكراً أن الأصدقاء العرب والسوفيت مازالت أمامهم منجزات أخرى.

        إنني أريد أن أحيي مرة أخرى هذه الصداقة العربية السوفيتية العظيمة، مجددا ومؤكدا أنها شركة في الكفاح من أجل الحرية والسلام وضد الاستعمار والعدوان. صداقة النضال ، صداقة الكفاح من أجل انتصار الحق واليوم. وكما قلت لكم ونحن نحتفل بانتصار استطعنا أن نحققه ولابد أن ننتظر بعون الله سبحانه وتعالى وتوفيقه ومشيئته انتصارا آخر ليس هناك بديل عن تحقيقه. 

وفقكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله.

 نزار مغاورى : مخرج بالتلفزيون المصرى