wrapper

أحدث الموضوعات


الأحلاف والتكتلات فى فى السياسة العالمية هو عنوان الكتاب السابع من سلسلة عالم المعرفة الصادرة عن المجلس الوطنى للثقافة والفنون والأداب بالكويت ، من تأليف الدكتور محمد عزيز شكرى .

حاولنا أن نقدم منه تعريفه للأحلاف وأنواعها ، مع خاتمة بحثه الذى لخص فيه دراسته عن الأحلاف الغربية والشرقية والحلف العربى والتكتلات الدولية وحركة عدم الإنحياز والكتلة الإسلامية والأحلاف والتكتلات فى نظر القانون الدولى وبين فكرتى القوى والأمن .

مقدمة عن الأحلاف وأنواعها :
يعرف قاموس العلوم السياسية الحلف على  النحو التالي: ( الحلف في القانون الدولي والعلاقات الدولية هو علاقة تعاقدية بين دولتين  أو أكثر يتعهد بموجبها الفرقاء المعنيون بالمساعدة المتبادلة في حالة الحرب . سياسة الأحلاف هي بديل لسياسة العزلة التي ترفض أية مسؤولية عن أمن الدول الأخرى، وهي تتميز كذلك عن سياسة الأمن الجماعي التي تعمم، من حيث المبدأ، مبدأ التحالف حتى تجعله عالميا بحيث تردع العدوان وتتصدى له عند الضرورة )

إن التحالفات هي وظيفة ضرورية لتوازن القوى تعمل في نظم الدول المتعددة لذلك فهي قديمة قدم انشطار العالم إلى كيانات سياسية تصطرع على القوة والنفوذ .

يقول الأستاذ ( مورغتثاو )  إن الدولتين (أ) و(ب) المتنافستين مع بعضهما تجدان أن أمامهما ثلاثة خيارات لتدعيم وتطوير مراكز قواهما فبإمكانهما أن تزيدا من قوتهما وبإمكانهما أن تضيفا إلى قوتهما قوى دول أخرى، وبإمكانهما أن تسحب كل منهما من قوة الخصم قوى الدول الأخرى. فإذا اختارتا السبيل الأولى فان عليهما أن تدخلا في سباق للتسلح أما إذا اختارتا السبيل الثانية أو الثالثة فإنهما اختارتا سبيل الأحلاف.

وأذن فاختيار دولة ما لطريق الأحلاف ليس مسألة مبدأ وإنما مسألة ملاءمة expediency ،  فالدولة تستغني عن الأحلاف إذا اقتنعت بأنها من القوة بحيث يمكنها الصمود أمام أعدائها دون دعم أحد، أو أن أعباء الارتباطات الناجمة عن الأحلاف تفوق حسناتها المرتقبة. لأحد هذين السببين أو لكليهما معا مثلا رفضت بريطانيا وأمريكا الارتباط فيما بينهما بأحلاف زمن السلم في الماضي . غير أن اتساع رقعة اللعبة الدولية بين الكبار المتصارعين على النفوذ في العالم لتشمل زواياه الأربع حلف الأحلاف ضرورة لهما في أيامنا وخاصة منذ هبوب رياح الحرب الباردة مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

ينبغي أن لا يغرب عن البال أنه ليست كل مجموعات المصالح المشتركة التي تستدعي سياسات وتصرفات متناسقة أو متطابقة تستدعي التقنين في تحالفات صريحة . ولكن من جهة أخرى فان التحالف يتطلب وجود مجموعة مصالح مشتركة لقيامه. وفي هذا يقول ثيوكيدايدس ( وحدة المصلحة هي الرباط الأكثر قوة سواء بين الدول أو الأفراد )  وهو ما يعبر عنه في اللغة السياسية الدارجة بالقول، ليس في العلاقات الدولية صداقة دائمة أو عداوة دائمة . . فلا عجب والحالة هذه أن يكون أعداء الأمس حلفاء اليوم والعكس بالعكس.

وإذن لنتساءل في ظل أي الشرائح تتطلب مجموعة المصالح المشتركة الإنشاء الصريح للحلف؟ وماذا يضيف الحلف إلى هذه المجموعة من المصالح المشتركة ؟.
أن التحالف يضيف الدقة Precision خاصة بمعنى التحديد لمجموعة  المصالح المشتركة القائمة وللسياسات العامة والتدابير الدقيقة المصممة لخدمتها. وإذا طالعنا معاهدات التحالف التي شهدها القرن السابع عشر والثامن عشر نفاجأ بالتفصيل الدقيق الذي صيغت به الالتزامات القاضية بتقديم الجيوش والمعدات والتموين والمساعدات المالية وسواها مما هو ضروري لفعالية التحالف.

ليست المصالح المشتركة للدول بالضرورة دقيقة أو محددة بإقليم جغرافي أو هدف معين مثلما كانت مصلحة أمريكا وبريطانيا في حفظ توازن القوى الأوروبي. ولا هي متعذرة على الدقة والتحديد عندما تتصل بعدو مرتقب. ففي حين يمكن  أن يوجه التحالف النموذجي ضد دولة أو دول معينة فان أعداء المصالح الأميركية البريطانية مثلا لم يكن ممكنا تحديدها مسبقا باعتبار أن كل من يهدد توازن القوى الأوروبي كان عدوا لهما.

وفي حين حول الرئيس جفرسون تأييده تارة لنابليون وتارة لبريطانيا حسبما هدد أحدهما بإحلاله التوازن الأوروبي، فانه في فترة القرن التالي للحروب النابليونية كان على أمريكا وبريطانيا أن تقررا في ضوء الظروف المتغيرة باستمرار من الذي شكل الخطر الأكبر على توازن القوى في أوروبا.

وواضح أن هذا التحديد لا يتجه إلى دولة ما بل إلى تصرفات الدولة بحيث يقترب من فكرة الأمن الجماعي التي تقوم على تكتيل الجهود ضد العدو المحتمل بغض النظر عن هويته.

المصالح النموذجية التي توحد دولتين أو أكثر ضد الغير هي في الوقت نفسه أكثر جزما في تحديد العدو وأقل دقة في الأهداف المراد تحقيقها ضده والسياسات الواجبة الإتباع في هذا المجال.

ويمكننا هنا أن نميز مع ( مورغنثاو )  التحالفات التي تخدم مصالح وسياسات متطابقة Identical من التحالفات المتممة Complementary أو العقائدية Ideological بل ويمكننا أن نميز التحالفات المتبادلة Mutual من الوحيدة الطرف One Sidedوالتحالفات العامة General من المحدودة Limited وكذلك التحالفات الدائمة Permanent من المؤقتة Temporary والتحالفات الفعالة Operative من غير الفعالة inoperative .
فالتحالف الأميركي البريطاني ضمن معاهدة شمال الأطلسي (NATO  ) .
فيه وهو الحفاظ على توازن القوى في أوروبا هو عينه هدف الشريك الآخر. على عكس ذلك فالتحالف بين الولايات المتحدة الأميركية والباكستان هو أحد الأمثلة المعاصرة لتحالف يخدم مصالح متممة. فأما بالنسبة للأولى فهو يخدم الهدف الأميركي الرئيسي بترسيخ نطاق لسياسة الاحتواء للشيوعية، وأما بالنسبة للباكستان فهو يفترض أن يخدم بالدرجة الأولى هدف زيادة إمكاناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية تجاه جيرانها، وقد قلنا، يفترض أن يخدم، لان التجارب المريرة التي مرت بها الباكستان أثبتت انتفاء مصلحتها من هذا التحالف يوم تعرضت هذه المصلحة للخطر خلال حرب عام 1971 مع الهند التي أدت لانفصال بنجلاديش ) .

تقدم كل من معاهدة الحلف المقدس لعام 1815 وميثاق الأطلسي عام 1949 وربما حلف وارسو لعام 1955 مثالا جيدا لتحالف أيديولوجي . فكل من هذه الوثائق يضع مبادئ عقائدية عامة التزم المتعاقدون باحترامها وصيانتها . ومن الممكن القول هنا أن ميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الدفاع المشترك الناتج عن تجربتها الأولى (المبرم عام 1950 ) يعتبر مثالا للتضامن العقادي العربي المفترض ضد إسرائيل باعتبارها تمثل، عدوا حضاريا .

وأحيانا تندمج الالتزامات الأيديولوجية بالالتزامات المادية في معاهدة التحالف ومثال ذلك تحالف الأباطرة الثلاث عام 1973 الذي نص على التعاون العسكري بين النمسا وألمانيا وروسيا في حالة وقوع عدوان على إحداها . وفي الوقت نفسه أكد الملوك المتعاقدون تضامنهم ضد احتمال التخريب من الجمهوريات المجاورة . والشيء ذاته يمكن أن يقال بالنسبة للأحلاف القائمة ضد الشيوعية في أيامنا . وقد يظهر العامل الأيديولوجي أيضا في التفكر الرسمي لتحالف مبني على عوامل عادية في شكل تضامن أيديولوجي يتجاوز حدود المصلحة المادية البحتة مثال ذلك في رأي بعضهم التحالف الواقعي الأمريكي البريطاني قبل السويس فهو مبني على الاشتراك في الحضارة والمؤسسات والأفكار السياسية .

أما بالنسبة للأثر السياسي لهذا العامل الأيديولوجي على الأحلاف فينبغي التمييز بين ثلاثة احتمالات : التحالف الأيديولوجي البحت الذي لا تدعمه مصالح مادية لا يمكن أن يولد إلا ميتا . فلا يمكن تحديد سياسات وقيادة تصرفات بمجرد التظاهر بوجود تضامن سياسي، في حين أن هذا التضامن غير موجود فعلا، وإذا كان العامل العقائدي مفروضا من عل على مجموعة المصالح الحقيقية فانه يمكن أن يدعم الحلف بتسخير المعتقدات الأخلاقية والمبررات العاطفية لتقويته  غير أن من الممكن للعامل العقائدي أن يضعفا الحلفاء من جهة أخرى، وذلك بعرقلة حدود ومدى الصالح المشتركة التي يفترض أن التحالف قام ليحددها، وبإثارة آمال مكتوب عليها
الإخفاق .  يقدم التحالف الواقعي الأميركي الإنكليزي مثالا لكل من الاحتمالين .
نظريا، يجب أن يكون توازن المنافع ضمن التحالف متبادلا تماما . أي أن تكون الخدمات التي يقدمها الأطراف لبعضهم فيه متعادلة مع المنافع المتوخاة .  ويتجلى  هذا بصورة مثالية في تحالف معقود بين دول متساوية في القوة وتعمل لصالح متطابقة، فهنا تكون الإمكانات المتساوية للجميع المتجاوبة مع البواعث المتساوية للجميع في خدمة المصالح المتطابقة .  أما الشكل المعاكس لتوازن المنافع فهو الانتفاع الوحيد الطرف  a Societas Leonina  حيث يتلقى طرف واحد في الحلف حصة الأسد من المنافع في حين يتحمل الأطراف الآخرون أثقل الأعباء . وطالما أن هدف مثل هذا التحالف هو صيانة الاستقلال السياسي والسيادة الإقليمية للدول المستفيدة فان مثل هذا التحالف لا يختلف كثيرا من معاهدات الضمان والحماية . وما أسميناه المصالح المتممة والاستطرادية يمكن  أن تدخل في هذه الفئة باعتبار أنها بالتعريف في جوهرها، وتقييمها  بالمقارنة يمكن أن يشوه بالتفسير غير الموضوعي للأشياء إضافة للتفوق الملحوظ في القوة بالنسبة لأحد أطراف التحالف .

وهكذا فتوازن المنافع يمكن أن يعكس توازن القوة في الحلف وكذلك تحديد السياسات . فدولة كبرى مثلا يمكن أن تتحكم في حلف ضعيف فيما يتصل بالمنافع والسياسات .  ولهذا السبب حذر ميكافيلي الدول الضعيفة من الانخراط في أحلاف مع دول كبرى إلا بدافع الضرورة الملحة . تمثل العلاقة بين أمريكا وكوريا الجنوبية صورة لما نقول .

على أن هذا التلازم بين النافع والسياسات والقوة ليس حتميا على طول الخط . فيمكن لدولة ضعيفة أن تكون قادرة على استغلال علاقاتها بحليف قوي بإلزام الأخير بدعم مصالحها الحيوية التي قد لا تعني الكثير له أو التي مكن أن تناقض مصالحه . وبالمقابل يمكن للدولة الضعيفة أن تفرض على الحليف القوى دعمها الذي هو بدون شك اقل أهمية للأخير من دعمه لها . تاريخيا كانت العلاقة بين ألمانيا والمجر والنمسا قبل الحرب العالمية الأولى من هذا النوع الذي يدخل فيه حاليا العلاقة بين أمريكا من جهة والباكستان وتايوان من جهة ثانية.

لكن من الممكن أن تكون لدى الدولة الضعيفة من الإمكانيات ما يكون له قيمة كبرى للحليف القوى بحيث لا يمكن استبدالها .  فالفائدة التي يمكن لهذه الدولة أن تمنحها أو تسحبها يمكن أن تعطيها ضمن التحالف مركزا لا يمكن قياسه بالمعايير العادية لتبادل النافع في الحلف. مثال ذلك العلاقة بين ايسلنده وأمريكا بالنسبة للقواعد : وبين البرتغال وحلف الأطلسي بالنسبة للموقع الاستراتيجي .

التحالف المثالي هو ذلك الذي يحاول تحويل جزء صغير من إجمالي المصالح المشتركة للدول المتعاقدة إلى سياسات وتدابير مشتركة، لان بعض المصالح قد لا تكون هامة لأهداف الحلف، بحيث يؤيدها البعض ويتنصل منها البعض الآخر: وقد تعارضها جماعة ثالثة. وهكذا فالتحالف المثالي محاط في ميدان ديناميكي من المصالح والمقاصد المختلفة .  والسؤال حول ما إذا كان هذا التحالف سيكون فعالا والى أي حد يعتمد على قوة المصالح التي يقوم عليها بالقياس إلى قوة المصالح الخاصة بالدول الأعضاء التي يمكن أن تتلاءم مع ١^^ على أن قيمة وفرص نجاح حلف ما مهما كان

محدود النطاق يجب أن تتعرض ضمن سياق السياسات الإجمالية التي عليه أن يتصرف من خلالها.

الأحلاف العامة عادة مؤقتة، ومعظمها يسود وقت الحرب لان المصلحة المشتركة التي تمثلت بالسعي للإنتصار وضمان المصالح عن طريق تسويات السلام التالية للحرب من شأنها أن تفسح المجال، بمجرد انتهاء المعارك، للمصالح الفردية المتعارضة للدول الحليفة سابقا. ومن جهة أخرى فهناك تلازم بين ديمومة الحلف والإطار المحدود للمصالح التي قام عليها. بعبارة أخرى كلما تحددت هذه المصالح وضاق نطاقها كلما كانت فرص استمرار التحالف أكبر. مثال ذلك التحالف بين بريطانيا والبرتغال الذي انعقد عام 1703  فقد استمر قرونا عديدة لان المصلحة المشتركة التي قام لصيانتها بسيطة ومحدودة، فبريطانيا لازمة لحماية شواطئ البرتغال وشواطئ البرتغال هامة لاستمرار سيطرة بريطانيا على مداخل الأطلسي. ومع هذا فان من الممكن القول كملاحظة تاريخية انه في حين عقدت الأحلاف بنية الديمومة مددا تزيد عن عشر سنين أو عشرين سنة فإنها في الواقع عاشت اقل من هذه المدد أو على الأقل تعرضت لاهتزازات شديدة خلالها. مثال ذلك ما تعرضت له أحلاف الأطلسي ووارسو والحلف المركزي كما سنرى فيما بعد .

أن اعتماد الأحلاف على مجموعة المصالح المشتركة للدول الأعضاء منها يدعو أيضا للتميز بين الأحلاف النشيطة أو الفعالة والأحلاف الفاشلة أو غير الفعالة. فلكي يكون الحلف فعالا أي قادرا على التنسيق بين السياسات العامة والتدابير الدقيقة لأعضائه، لا بد أن يتفق هؤلاء الأعضاء لا على الأهداف العامة وحسب بل وعلى السياسات والتدابير التفصيلية أيضا. وكثير من الأحلاف بقي مجرد حبر على ورق . . لعدم توفر هذا الشرط. مثال ذلك الأحلاف الفرنسية والروسية لعامي 1935 و 1944، والحلف البريطاني الروسي لعام 942ا، والحلف العربي المعروف بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950 الذي هو، للأسف الشديد، مثال حي لفكرة والاتفاق على عدم الاتفاق ). وقد تسهم المشروعية القانونية لمعاهدة التحالف والحملات الدعائية التي ترافق عقده في خداع الباحثين حول قيمته العملية الحقيقية التي لا يمكن تقديرها إلا بفحص موضوعي لسلوكية الأعضاء في الحلف في الواقع العملي أي عندما يوضع الحلف موضع التحدي الحقيقي في التصدي للعدو الذي أقيم ضده.

خاتمة البحث :

1 - الأحلاف والتكتلات بين الدول ظاهرة ملموسة وقديمة في العلاقات الدولية . وهو نتيجة حتمية للصراع على النفوذ والسلطان ومحاولة من الدول المتصارعة لإيجاد توازن بينها في القوة والإمكانات وذلك ( بتخريب ) الدول الأخرى في معسكراتها باسم ( مصلحة مشتركة )، يقوم التحالف على صيانتها والذود عنها . فلا تحالف بدون

مصلحة . والمصلحة التي تجمع المتحالفين ينبغي أن تكون من الحيوية بحيث تحملهم على التعاون والعمل المشترك رغم ما قد يكون بينهم من خلافات على مصالح أقل أهمية . وكلما كانت المصلحة المشتركة محددة ودقيقة كلما كان التحالف أكثر قدرة على الاستمرار .  ثم أنه لنجاح التحالف لا بد من اتفاق تام بين الحلفاء على التدابير والخطوات الواجبة الاتخاذ لتحقيق المصلحة المشتركة . فالتقاهم على الوسائل لا يقل أهمية عن التفاهم على الأهداف. 2- والأحلاف والتكتلات بين الدول من جهة ثانية مظهر جلي من مظاهر التعاون الدولي القين المحدد بأهدافه ونطاق عضويته والمصالح المشتركة التي أنشئ من أجلها * لذا فقد تكون مجالا أرحب وأكثر ملاءمة لممارسة الدول لسياساتها الخارجية من التجمعات الأكبر، والأبعد أهدافا، والأوسع عضوية كالأمم المتحدة حيث تتضارب المصالح الفردية للدول الأعضاء مع المصلحة المشتركة وحيث قد ينعدم التجانس بينها وهوما يلزم لنجاح أي شكل من أشكال التعاون المنظم . بعبارة أخرى الأحلاف والتكتلات الإقليمية أكثر واقعية من وجهة نظر المصلحة القومية للدول الطامحة للنفوذ .

3-    أدى اصطراع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على سيادة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى ما يعرف بالقطبية الثنائية ،  وبالتالي إلى انقسام العالم إلى معسكر غربي وآخر شرقي لكل منهما أحلافه وتجمعاته . ولقد أثبتت الوقائع أن الهدف الرئيسي من الأحلاف الغربية وخاصة حلف جنوب شرقي آسيا وحلف المعاهدة المركزية لا يتعدى حماية الدول الداخلة فيه من الخطر الشيوعي أما ما عدا ذلك من أخطار فقد وقفت هذه الأحلاف حيالها مشلولة الحركة . وإلا فأين كان الحلفاء يوم احتلت الهند الباكستان الشرقية وأعلنتها دولة مستقلة باسم بنجلاديش .  أما حلف شمال الأطلسي فالهدف الرئيسي منه هو بالطبع مواجهة أي امتداد للنفوذ السوفيتي في منطقة تعتبر داخلة فى الولاية السياسية لواشنطن . وبالمقابل فان حلف وارسو يستهدف أولا وقبل كل شيء الحيلولة دون امتداد أمريكا إلى منطقة تعتبر داخلة في الولاية السياسية لموسكو كما يستهدف تثبيت النفوذ السوفيتي في دول أوروبا الشرقية .

4-    الأحلاف العسكرية الغربية والشرقية معا تتجاوب في أسباب إنشائها وأهدافها ومبادئها مع الأسس النظرية التي رأينا في الفصل التمهيدي من هذه الدراسة أنها تصلح لشرح قيام الأحلاف وهي من قبيل التذكر .

ا- تغيير جديدة ويهدد في الحالة العسكرية الراهنة .

2-    الدولة المهيمنة تسعى لدعم مركزها في مواجهة الخصم .

3- الدولة المهيمنة تسعى لتدعيم مركزها حيال حلفائها، مع تفاوت في الأفضليات بين هذه الأسس من حلف لآخر .

5 - لا نرى ما يذهب إليه بعضهم من أن الأحلاف القائمة هي وحدها التي قربت من المعسكرين العملاقين الأميركي والسوفيتي بفعل التوازن العسكري الذي أحدثته بينهما، لكننا لا يمكن أن ننكر دورها في هذا المجال مضيفين إليه عاملين آخرين قد يزيدانه أهمية وهما، أولا: توازن الرعب the Balance of Terror الناجم عن امتلاك واشنطن وموسكو سلاح الذرة والهيدروجين ووسائل استخدامه من الصواريخ الاستراتيجية والتكتيكية . وثانيهما بروز الصين الشعبية كدولة كبرى بدأت تنازعهما الزعامة العالمية والتقاء المصالح الاستراتيجية لكل من واشنطن وموسكو في احتواء المرشحين الآخرين المحتملين لمثل هذه الزعامة كاليابان وأوروبا.

6-    كان على الدول التي لم تجد مصلحتها القومية مع أي من المعسكرين الكبيرين أن تتكتل كوحدة ثالثة همها دفع الضغوط الممارسة عليها من هذين المعسكرين ومحاولة كبح جماحهما وهكذا وجدت كتلة عدم الانحياز أو ما يسمى بمجموعة العالم الثالث . لكن عدم تجانس أعضاء هذه الكتلة وتعدد مصالحهم بل وتضاربها أحيانا جعل نقطة التقائهم سلبية أكثر منها إيجابية وبالتالي ظل تكتل عدم الانحياز غير واضح المعالم وبدون تنظيم أو تقنين لكن فلسفته ما زالت صالحة لإيجاد نوع من التصدي لأطماع أي من المعسكرين العملاقين وخاصة في ضوء الثروات المتنامية للدول الأعضاء فيه إذا أحسن استخدام هذه الثروات وأبقي التكتل بعيدا عن تسلل الكبار

إليه .

7-    قد تكون الأحلاف المهمة في العالم تعبيرا عن عدم ثقة منشئيها بفاعلية نظام الآمن الجماعي الذي كرسه ميثاق الأمم المتحدة (الفصل السابع). لكن المؤكد أن قيام هذه الأحلاف ونخص منها الأحلاف الغربية والشرقية لم يساعد الأمم المتحدة على أداء دورها في التصدي للمشاكل التي كان عليها أن تواجهها. لقد كانت هذه الأحلاف عامل توتر أكثر من أن تكون عامل استقرار لكنها كانت من غير شك عاملا لا ينكر أثره في استمرار التوازن بين الغرب والشرق في مرحلة الحرب الباردة.

8-    ما دامت الأحلاف مجرد وسائل في جعبة راسمي السياسات الخارجية للدول المهيمنة على مصير العالم فإنها ليست جامدة بل تتبدل حسب الحاجة ومقتضيات الظروف. لقد لعب حلف الأطلسي ووارسو دورا بالغ الأهمية والخطر يوم كانت العلاقات الأميركية السوفيتية تمر بمرحلة التصلب والمجابهة الحادة. ومع انحسار التوتر وبدء الوفاق وحلول مبدأ المفاوضة والمرونة محل المواجهة والتصلب بقي الحلفان موجودان ولكن في وضع أقل استنفارا مما كانا عليه في الخمسينات رغم أن انحلالهما أمر غير متوقع في المستقبل المنظور ما دام السلام العالي الكامل أمرا غير ممكن التحقيق في ظل الوضع الدولي القائم الذي لم يتخل فيه أي من الطرفين عن مبادئه وقيمه النهائية، أي ما دام الوفاق وسيلة وليس غاية . أما حلف جنوب شرق آسيا فقد تجمد وضعه حاليا مع بزوغ التقارب الأميركي الصيني وانتهاء الحرب الفيتنامية لكنه هو الآخر باق ما دام الوفاق الأميركي الصيني وفاقا مرحليا وتكتيكيا، في حين فقد حلف المعاهدة المركزية كثيرا من قيمته العسكرية لأسباب شتى منها انحسار التوتر الأمريكي السوفيتى  ، ومنها فشل الحلف أصلا في استقطاب الدول العربية للانخراط فيه، ومنها وقد يكون من أهمها اختلاف مصالح الدول الأطراف فيه مع حلفائهم الكبار (العلاقات الإيرانية، العلاقات الأميركية التركية مثلا) . يبقى حلف الربو ضعيفا كما ولد وأداة طيعة في يد الولايات المتحدة لترجمة مبدأ أميركا للأميركيين بالمعنى المفهوم لديها ونعني أمريكا للولايات المتحدة، فهو مسخر بالدرجة الأولى ضد أنظمة الحكم التي تحاول الانفلات من السيطرة الأميركية في القارة .

9- الحك العربي أو ما أنشأته اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي العربي لعام 1950 كان ويبقى نسيجا لوحده . فليس بارزا فيه من أسباب إنشاء  الأحلاف عادة إلا عامل والتغيير الجديد والمهدد في الحالة العسكرية الراهنة ) . ومع أن ذلك بحد ذاته سبب بالغ الوجاهة لاستمراره وازدهاره خاصة في أمة تجمع دولها روابط التاريخ والآلام والآمال واللغة والدين والمصلحة المشتركة في أن تبقى أولا تبقى . مع ذلك كله فان الحلف ولد هزيلا وعاش على هامش الأحداث العربية الحاسمة فلم يكن له حتى هذه اللحظة دور يذكر مما حمل الدول العربية على الاستعاضة عنه أو تعويضه بالعديد من التحالفات الثنائية أو المتعددة الأطراف التي لم يكن حظها - للأمانة العلمية - أكثر من حظه كثيرا، وهذا ما يطرح على بساط البحث العلمي والجاد مسألة الإدراك الحقيقي في الأقطار العربية بلا استثناء لمفاهيم أساسية مثل ( الدولة) و ( العلاقات الدولية) و ( توازن القوى) و ( اللعبة الدولية) وأهم من هذا وذاك مسألة أن تكون أو لا تكون . . . !!  فكل تصرفاتها تشير إلى أن هذه المفاهيم غير مكتملة أو حتى واضحة لديها ولن نزيد أكثر .  

0ا- أن عالم اليوم كعالم الأمس لا محل فيه للضعفاء بل هو، وليعترض المثاليون إذا شاءوا، عالم اصطراع القوى من لا بملك القوة منه لا يملك الحق والحديث عن سعي الإنسان  ( بكل جدية وإخلاص لإحلال القوة الأخلاقية محل القوة القاهرة حديث جذاب ) لكنه يحتاج لعالم أفراده من الملائكة، أما عالمنا فأفراده من بني الإنسان . الإنسان كما يقول ( هوبس ) ذئب للإنسان . الإنسان كما وصفه رب العالمين ( خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) وما دام الأمر كذلك، فحري بنا أن ندرك أي عالم نعيشه ، وان نحس بالخطر الذي يحيق بنا فنتحالف مع أنفسنا أولا، ثم مع من تربطهم بنا مصالح يحسن تقديرها ثانيا، وإلا فلن يكون لنا مكان في هذه المعمورة . وسيقال وحينئذ في حقنا: هاهنا عاش في يوم قوم أغبياء سحقتهم أقوام ذكية وبالتالي أحق بالحياة . . فهل من مستجيب يا أبناء أمتي؟!

Last modified on الثلاثاء, 24 أيار 2016