wrapper

أحدث الموضوعات

محمد توفيق نسيم باشا محمد توفيق نسيم : من رجال القضاء ، ووزير ، ورئيس وزراء لثلاث مرات ، ينتمي لأسرة تركية موطنها الأصلي في الأناضول ، وجده الأكبر محمد علي لاظوغلي مدير الإدارة المالية في عهد محمد علي الكبير وصاحب التمثال القابع اليوم بميدان لاظوغلي ، ووالده هو اللواء محمد نسيم باشا.

ولد فى ٣٠ يونيه عام ١٨٧١ بالقاهرة ، وتلقى تعليمه  بمدرسة الفرير ، ونال منها الابتدائية والثانوية ، والتحق بمدرسة الحقوق ، وتخرج منها عام ١٨٩٤ م ، بدأ عمله بوظيفة كاتب عام ١٨٩٤، ثم معاون نيابة عام ١٨٩٥، ثم أخذ يرتقي درج سلك النيابة حتى انتقل إلى سلك القضاء فأصبح قاضياً عام ١٩٠٨ م ، بمحكمة مصر الابتدائية ، وعاد مرة أخرى للنيابة عام ١٩٠٩ ليعين رئيساً لنيابة الاستئناف ، ثم اختير مستشاراً لوزارة الأوقاف ، فوزيراً لها في وزارة محمد سعيد الثانية (٢٠ مايو ١٩١٩-٢٠ نوفمبر ١٩١٩) ، ثم وزيراً للداخلية في وزارة يوسف وهبه الأولى (٢٠ نوفمبر ١٩١٩-٢١ مايو ١٩٢١).

تولى مهام منصب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في وزارته الأولى التي قام بتشكيلها (٢١ مايو ١٩٢٠-١٦ مارس ١٩٢١) ، ثم تقلد منصب رئيس الديوان الملكي من (٢ إبريل ١٩٢٢-٩ نوفمبر ١٩٢٢) ، وتولي بعدها  رئاسة الوزارة للمرة الثانية (٣٠ نوفمبر ١٩٢٢-٩ فبراير ١٩٢٣) ، واحتفظ فيها بمنصب وزير الداخلية أيضا، ثم عين وزيراً للمالية في وزارة سعد زغلول (٢٨ يناير ١٩٢٤-٢٤ نوفمبر ١٩٢٤) ، وتولى فيها وزارة الداخلية بالنيابة (١٠ مارس ١٩٢٤).

تقلد منصب  رئيس مجلس الشيوخ من (٢٥ نوفمبر ١٩٢٤-١٤ ديسمبر ١٩٢٥)، ثم رئيساً للديوان الملكي (١٩٢٥-١٩٣١) ، كما تولى رئاسة الوزارة للمرة الثالثة (١٤ نوفمبر ١٩٣٤-٣٠ يناير ١٩٣٦) ، واحتفظ فيها بمنصب وزير الداخلية أيضا ، ثم تقلد رئيس مجلس الشيوخ للمرة الثانية (١١ مايو ١٩٣٦-١٢ مايو ١٩٣٦).

 من أهم أعماله التي قام بها:

أثناء توليه منصب وزير الأوقاف عمل علي تحسين إدارة الأوقاف الأهلية وأوقاف الحرمين الشريفين، واهتم بحفظ الآثار وصيانة المساجد والزوايا والأضرحة.

عقب تعيينه وزيراً للداخلية عمل على حفظ الأمن العام، وعدل لائحة الموازين بدمغ الذهب لمنع غشه، كما طلب إصدار نقود من النيكل والكروم.

استصدر أمرا ملكياً عام ١٩٣٤ بإلغاء العمل بدستور ١٩٣٠، وهو دستور إسماعيل صدقي.

أنشئت وزارة التجارة والصناعة في عهده بموجب المرسوم الصادر في ٢٠ ديسمبر ١٩٣٤.

  أقام محكمة أهلية وأخرى شرعية، ومحكمة المرور، وبناء محكمة كرموز الأهلية الجزئية الشرعية التي وضع أسسها عام ١٩٣٤، وبدأ العمل فيها عام ١٩٣٥، كما انتهي العمل في مشروع الجامعة الأزهرية في العام نفسه (١٩٣٥).

كان يقتني مكتبة علمية كبيرة زاخرة بالكتب العربية والأجنبية.

من مؤلفاته : "طلبة الراغبين في بيان حقوق الدائنين" بالاشتراك مع عبد العزيز محمد.

 وزارة محمد توفيق نسيم الأولى (  ٢١ مايو ١٩٢٠- ١٦ مارس ١٩٢١ )

 أعضاء الوزارة : محمد توفيق نسيم ، للرئاسة والداخلية ، أحمد زيور للمواصلات ، أحمد ذو الفقار للحقانية ، محمد شفيق للأشغال العمومية وللحربية والبحرية ، حسين درويش للأوقاف ، محمد توفيق رفعت للمعارف العمومية ، محمود فخري للمالية ، يوسف سليمان للزراعة .

 وزارة محمد توفيق نسيم الثانية ( ٣٠ نوفمبر ١٩٢٢ - ٩ فبراير ١٩٢٣ )

أعضاء الوزارة : محمد توفيق نسيم للرئاسة والمواصلات ، إسماعيل سري للأشغال العمومية ، أحمد ذو الفقار للحقانية ، يحيى إبراهيم للمعارف العمومية ، محمد توفيق رفعت للمواصلات ، محمود فخري للخارجية ، يوسف سليمان للمالية ، أحمد على للزراعة ، محمد إبراهيم للأوقاف ، محمود عزمي للحربية والبحرية .

وزارة محمد توفيق نسيم الثالثة  (١٤ نوفمبر ١٩٣٤-٣٠ يناير ١٩٣٦)

  أعضاء الوزارة : محمد توفيق نسيم للرئاسة والداخلية ،  أحمد عبد الوهاب باشا  للمالية ، أمين أنيس باشا للحقانية ،  محمد توفيق عبد الله باشا  للحربية ،  أحمد نجيب الهلالى بك  للمعارف ،  عبد المجيد عمر بك للأشغال والمواصلات   ،  كامل ابراهيم بك للزراعة والخارجية ،  عبد العزيز محمد بك للأوقاف ،  وفيما عدا الرئيس فجميع الوزراء جدد لم يتولوا حقائب قبل ذلك . وظلت بها حقيبتين وزاريتين شاغرتين أستكملت فيما بعد . وزارة نسيم باشا الثالثة بكامل هيئتها


 قصة زواجه الأخير ووفاتهتزوج‏'‏ نسيم باشا‏'‏ في أكتوبر عام ‏1937‏ من فتاة لم تكن قد بلغت السابعة عشرة من عمرها‏,‏ وكانت تصغره بنصف قرن أو يزيد‏ ، وكما قالت الأهرام‏,‏ فإنه قد تعرف علي الفتاة (ماري هوبنر ) التي لم تكن قد بلغت السابعة عشرة‏ ,‏ وهو يستشفي في أحد منتجعات النمسا ‏,‏ مارينباد ‏,‏ حيث‏  وجد منها كل عناية واهتمام بصحته ‏,‏ كما أعجب بأخلاقها وبنشاطها واجتهادها إذ كانت تعمل مع أبيها في صناعة إدارة الفنادق ,‏ ولم يكن ذلك ليعجب المصريين‏ ,‏ خاصة من أقرباء الباشا المنتفعين بثروته‏ ,‏ سواء بحكم فارق السن الهائل‏ ,‏ أو بسبب كون الزوجة أجنبية ومن أصول اجتماعية بسيطة لا تقارن بأية حال مع مكانة الباشا الاجتماعية‏ . تقرير الحالة الصحية لنسيم باشا والمنشور بجريدة الأهرام
رحبت أسرة الفتاة الصغيرة  بالسياسي المصري العجوز خاصة عندما قدم شبكة الخطبة‏ ,‏ وكانت خاتما ذا ماسة ثمينة استحضرها من القاهرة‏ ,‏ بعد أن طلب نسيم باشا من مصر تلغرافيا جواهر العائلة ليقدمها عربون خطبة إلي خطيبته ‏,‏ وأن حفل الزواج سيقام في فينا في شهر أكتوبر ‏,‏ ليرحل منها العروسان لقضاء شهر العسل في الأقصر ‏.‏
خمسة من أقرباء توفيق نسيم قلبوا المائدة علي رأسه ورأس الخطيبة الشابة ‏;‏ الأفندية إبراهيم باشات ومصطفي باشات وعبد القوي حسن كامل وعز الدين حسن كامل والسيدة نظلة حسن كامل‏ ,‏ الذين وكلوا محاميا من أشهر المحامين ‏,‏ توفيق دوس باشا ‏,‏ لمنع إتمام هذه الزيجة‏ ,‏ وفي صباح يوم ‏3‏ أكتوبر توجه الرجل إلي نيابة مصر حيث قابل النائب العام وقدم له بلاغا كان قد أعده طالبا باسم هؤلاء الحجر علي صاحب الرفعة‏.‏
ولأهمية هذا البلاغ في تلك القضية غير المعروفة نسوق هنا أهم ما جاء فيه‏..‏ فقد نبه في أوله أن صاحب المقام الرفيع كان قد بلغ وقتذاك سبعة وستين عاما ‏,‏ وأنه أصيب في السنتين الأخيرتين بنوبة مخية‏ (‏ نقطة‏)‏ كان من أثرها شلل خفيف انتهي بضعف كبير في قواه الجسمية ‏,‏ وأن الأطباء الأخصائيين يقولون أن من طبائع هذا المرض التأثير علي القوي العقلية‏.‏
عرض بعد ذلك لقصة لقاء نسيم باشا مع الشابة التي لم تتجاوز السابعة عشرة‏ ,‏ وعلي الرغم من التفاوت بين الشخصين في السن والمركز والبيئة والدين والجنس فإن الاعتراض الأساسي صادر عما كشفته الخطيبة من أن وراء الزواج‏'‏ صفقة مالية غريبة جدا‏'‏ ذلك أن صاحب الرفعة بعد عودته من أوربا أصدر إشهادا شرعيا بتعديل وصيته أدخل بمقتضاه زوجته المستقبلة بالنصف وذريته منها بالنصف الآخر‏'‏ وتشمل هذه الوقفية أعيانا تبلغ قيمتها مائة وخمسين ألف جنيه‏'.‏
ويضيف البلاغ أنه كان محددا للزواج الشتاء التالي غير أن رفعته أصيب بنكسة رأي معها أهل الخطيبة التعجيل بإتمامه‏'‏ لذلك جاءت الخطيبة وأهلها علي متن طائرة وأخذوا يساومون علي شروط الزواج فطلبوا أن تعدل الوقفية بأن تكون كلها للآنسة هوبنر شخصيا لا بصفتها زوجته‏,‏ ولما رآه أصدقاء نسيم باشا من إجحاف هذه الشروط تدخلوا وأقنعوه بالرفض‏'‏ ولعلمهم بأن حالته الصحية وإرادته ضعيفة قد يؤديان به إلي القبول مرة أخري أحاطوه بحراسة من ممرضتين إنجليزيتين‏..‏ غير أن الخطيبة أمكنها أن تتوصل إليه عن طريق آخر فقبل جميع شروطها‏'‏ وهو يشرع الآن في تحرير الإشهاد‏'
وخلص البلاغ في النهاية إلي مطالب أصحاب الدعوي بمنع هذه الزيجة ولعدة أسباب‏ ;‏ أن زواج رجل في مثل هذه السن مصاب بمثل ما أصيب به‏'‏ إنما يقتله في الحال ويعجل بذلك موته‏',‏ أن هذا التصرف المالي يدل علي أنه رجل غير مستكمل القوي العقلية وعلي سفه بلغ حده الأقصي ‏,‏ أن خروج مائتي ألف جنيه من مصر لفتاة‏'‏ لا تمت إلي المصريين بصلة ولا تحفظ لخطيبها أي شعور كما ثبت من طلباتها المالية إنما هو جناية في حق مصر خاصة وأن هذه الأملاك مرصودة علي أعمال البر والخير في هذا البلد المنكوب‏'
كان أول ردود الفعل لهذا البلاغ أن قرر نسيم باشا إرجاء أمر زواجه فيما جاء في خير نشرته الأهرام‏,‏ التي أشارت أنه أقدم علي ذلك نزولا علي نصيحة الأطباء الذين رأوا أن ظروفه الصحية لا تسمح بإتمام مشروعه العاطفي في ذلك الوقت‏ ,‏ وتبع ذلك أن حزم المسيو هوبنر وزوجته وكريمته أمتعتهم متجهين إلي الإسكندرية من حيث استقلوا الباخرة عائدين إلي بلادهم‏.‏
ولم يعدم الرجل في هذه المناسبة من يقدم له النصيحة للعدول عن زواجه‏,‏ الأمر الذي نتبينه من زيارة شيخ الأزهر‏,‏ مصطفي المراغي‏ ,‏ لصاحب المقام الرفيع في داره حيث قضي معه أكثر من ساعة‏,‏ وكان مفهوما أن الحديث دار خلالها حول القضية التي كانت تشغل الدوائر الدينية خصوصا بسبب اختلاف الزوجة في الجنسية والدين‏ ,‏ كما لم يعدم من يدافع عنه ‏,‏ فقد انبري أحد قراء الأهرام‏,‏ محمد أمين السمالوطي‏,‏ في إظهار الظلم الذي وقع علي الرجل في مقال كتبه تحت عنوان‏'‏ نسيم باشا‏-‏ بيان عن أوقافه‏'.‏
بين الرجل في هذا المقال أوقاف صاحب المقام الرفيع علي الخيرات ‏;48‏ فدانا علي مستوصف ينشأ في الجيزة‏,24‏ فدانا علي مستوصف ينشأ بجوار عزبة الوقف بمركز المنصورة‏,‏ ومثلها علي مستوصف يقام بمدفن الأسرة بالإمام الشافعي بالقاهرة‏,18‏ فدانا للخدم والأتباع ومساحات أخري بلغت في مجموعها‏169‏ فدان‏.‏
ويضيف الأستاذ السمالوطي أن البعض تقدم باقتراحات لتغيير بعض هذه الأوقاف خلال أزمة الزواج الأخيرة‏,‏ غير أن نسيم باشا رفض بشكل قاطع المساس بها‏,‏ وخلص الرجل إلي القول أنه‏'‏ لما أراد رفعته أن يتخذ شريكة له تؤنسه في الهدوء والاستقرار الذي رغب فيه أخيرا بعد أن أفني معظم شبابه وجزءا من شيخوخته في خدمة مليكه وبلاده غير وبدل في الجزء الموقوف وقفا أهليا بأن جعل بعضه علي من يتركها علي عصمته حين وفاته وجزءا علي من يتركه من الذرية‏',‏ ولم ير الرجل في هذا التصرف من الباشا ما يمكن أن يكون محل مؤاخذة‏'‏ لهذا الرجل العظيم‏'!‏
عروس نسيم باشا وتصدرها لعدد الأهرام 2 يوليو 1937 لم يمنع ذلك‏'‏ مجلس مصر الحسبي‏'‏ من السير في إجراءات قضية الحجر التي رفعها أقرباء الرجل‏,‏ فانتدب عددا من كبار الأطباء‏;‏ كبير الأطباء الشرعيين‏,‏ اثنين من أطباء الأمراض الباطنية‏,‏ ومدير مستشفي الأمراض العقلية‏,‏ ويوسف برادة طبيب الأمراض الجلدية والتناسلية‏,‏ وبعد أن حلفوا اليمين القانونية‏,‏ وزاروا الرجل ثلاث مرات في داره‏,‏ استغرقت كل منها ثلاث ساعات‏,‏ أصدروا تقريرهم الذي نشرته الأهرام في‏26‏ أكتوبر عام‏1937.‏
تعرض هذا التقرير أولا لما أسماه الوقائع‏,‏ وجاء فيها أنهم وجدوا عند الرجل عدة أخطاء خاصة بالذاكرة والعاطفة وقوة الحكم علي الشيء‏,‏ وأنه قد أخطأ في تحديد تواريخ وفاة الملك فؤاد وعدلي يكن باشا‏,‏ وفي بيان ما يملكه من أسهم في شركة المياه‏'‏ ولقد أصبح رفعته يشك في جميع الأشخاص الذين كان يقربهم إليه‏,‏ وأنه أصبح سهل التأثير والانقياد متضارب العواطف‏,‏ من السهل أن يرضي‏,‏ ومن السهل أن يغضب‏,‏ مما يسهل معه أن يقع تحت تأثير شخص ما يستهويه لمصلحته‏'!‏
القسم الثاني من التقرير تضمن نص قرار اللجنة الطبية‏,‏ وجاء فيه بعد وصف لحالته الطبية التوصية أن يترك لنسيم باشا حرية الإشراف علي إدارة شئونه بنفسه علي أن لا يسمح له بالتصرف في العين إلا بعد أخذ موافقة المجلس‏,‏ ويؤدي الأخذ بهذا الرأي إلي أمرين‏;‏ أولهما‏:‏ الوثوق من عدم التصرف في العين تصرفا يضر بصالحه وصالح ذويه وما رصده للخيرات‏,‏ الثاني‏:‏ يقضي بتركه يتمتع بإدارة شئونه بالطرق التي يراها‏,‏ بمعني ألا يحجر عليه حجرا كاملا لما يمكن أن يسببه ذلك من أضرار بصحته‏.‏
الأمر الوحيد الذي كان محل رضاء صاحب المقام الرفيع في التقرير الطبي ما جاء فيه بأنه لا يوجد في حالته الصحية ما يتنافي مع قدرته علي الزواج‏ ,‏ أما بقية التقرير فقد كان محل معارضة مجموعة من أكبر المحامين الذين وكلهم الباشا للدفاع عنه‏;‏ إبراهيم الهلباوي بك‏,‏ محرم فهيم بك‏,‏ عازر جبران وعزيز مشرقي‏,‏ الذين جاءت أول طلباتهم بانتداب أطباء آخرين لفحص حالة نسيم باشا‏.‏
من ثم لجئت هيئة الدفاع إلي عدد من كبار الأطباء المصريين الذين فندوا تقرير الأطباء الذين انتدبهم المجلس الحسبي وجاءت شهادتهم في صالح صاحب المقام الرفيع‏,‏ وأنه يتمتع بصحة جيدة وأن ذاكرته وقواه العقلية طبيعية‏'‏ وأن لا محل لتقييد حريته الشخصية أو تصرفاته الشرعية والمدنية بأي قيد من القيود‏'.‏
في تلك الأثناء‏,‏ وبينما هيئة الدفاع التي وكلها الرجل تطعن في قرارات اللجنة الطبية‏,‏ وما ترتب عليها من قرارات فوجئ الجميع به وقد شد الرحال يوم‏5‏ نوفمبر‏1937‏ إلي أوربا‏,‏ واستغل طالبو الحجر الفرصة ليلمحوا أن صاحب المقام الرفيع لم يطق بعاد خطيبته‏,‏ غير أن كل تصرفاته كانت تكشف عن غير ذلك‏,‏ فقد أراد توفيق نسيم أن يضع في مواجهة تقرير الأطباء المصريين تقريرا آخر يصعب الطعن فيه يضعه عدد من كبار الأطباء الأوربيين‏,‏ الأمر الذي أكده أنه لم يذهب إلي النمسا‏,‏ فاقتصرت رحلته علي كل من لندن وباريس‏,‏ كما أكده بنفس الدرجة تصريحات طبيبه الدكتور جورج حجار الذي اصطحبه في رحلته‏.‏
وبدأت أزمة الرجل في الانفراج بعد التصريح الذي أدلي به طبيبه لمراسل الأهرام في العاصمة البريطانية وجاء فيه أنه رغم احترامه للأطباء المصريين ممن قالوا بمرضه أو ممن قالوا بصحته فإنه فضل استشارة عدد من كبار الاختصاصيين كان منهم أستاذ الطب الشرعي بكلية الطب بباريس‏,‏ والدكتور هنري كلود أستاذ الأمراض العقلية والدكتور إبراني أستاذ الأمراض الباطنية والدكتور كرزون أستاذ الأمراض العصبية الذين وضعوا وثيقة قالوا فيها أن نسيم باشا يتمتع بقواه الجسمانية والعقلية وأنه‏'‏ ليس مصابا في قواه العقلية ولا مصابا بعته ولا جنون ولا أثر لمرض خبيث‏,‏ وهو طبقا للقانون الفرنسي صالح لإدارة شئونه الشخصية وأملاكه‏',‏ وعاد الرجل إلي القاهرة وفي يده تقرير الأطباء الفرنسيين‏!‏
‏في طريق العودة سأله مراسل الأهرام الخاص في باريس عن الإجراءات التي ينوي القيام بها ضد الذين كانوا مصدر المثالب والمطاعن التي أثيرت حوله‏,‏ فأجابه بهدوء أنه لا يرد علي هذا السؤال إلا بالآية القرآنية الكريمة التي جاء فيها‏'‏ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك‏.‏ إني أخاف الله رب العالمين‏'.‏
في يوم‏29‏ نوفمبر‏,‏ وفي جلسة مجلس حسبي مصر‏,‏ دخلت القضية طورها الأخير‏,‏ فقد تقدم توفيق دوس باشا المحامي عن طالبي الحجر بمذكرة طويلة استند فيها إلي أقوال صاحب الرفعة للأطباء الذين ندبهم المجلس والأخطاء التي وقع فيها في تحديد تواريخ وفاة الملك فؤاد وعدلي يكن‏,‏ وتصرفاته في بيع قطنه بثمن بخس‏,‏ أما فيما يتصل بالتقرير الذي وضعه الأطباء غير المنتدبين من المجلس فلا قيمة له‏'‏ إذ أن هؤلاء الأطباء لم ينتدبهم المجلس وليس معروفا مبلغ كفايتهم الطبية‏'‏ هذا إلي أنهم قد أعدوا التقرير مقابل أجر دفع لهم‏.‏
وبينما كان توفيق دوس يقوم بمهمته كان المحامون عن توفيق نسيم منهمكين في ترجمة تقارير الأطباء الفرنسيين الذين ختموه بثلاثة حقائق طبية‏:‏
1)‏ علي أثر نقطة بسيطة أصيب بها الباشا سنة‏1936‏ ظهرت عليه درجة خفيفة من الشلل النصفي الأيمن والتهيج في المفاصل‏'‏ ولو أن نطق رفعته بطئ فإنه ليس هناك أي حبسة‏,‏ وبالكاد تظهر درجة خفيفة من تهيج المفاصل دون أن تؤثر في تفهم العبارة أو علي القراءة‏,‏ وليس عند رفعته ميل إلي الضحك أو البكاء بهيئة أزمة‏.‏
2)‏ من الجهة النفسانية ليس هناك ما يدل علي شيء من الاضطراب في الحكم أو الاستنتاج‏,'‏ وفي حديثه معنا كان تسلسل أفكاره صحيحا وشرحه سليما في جميع الموضوعات التي طرقناها‏,‏ وبدت لنا ذاكرته طبيعية تماما ما عدا بعض النقط البسيطة وعديمة الأهمية وميله من جهة الزواج لا يدل علي حالة عاطفية لها طابع بعيد عن التعقل ولا يمكن أن تؤخذ عليه بعض الأسباب العاطفية التي يظل فيها مقدرا لصالحه الشخصي‏.‏
ويبدو أن طالبي الحجر قد ذهبوا بعيدا في اتهاماتهم لصاحب المقام الرفيع الأمر الذي بدا من حالة التعاطف التي أحاطت بالرجل بعد عودته من رحلته فقد مر علي داره السفير البريطاني ورجال السفارة البريطانية وكثيرون من الكبراء والعلماء وأعيان الأجانب وكبار الموظفين والوزراء والأصدقاء تاركين بطاقات التهنئة بسلامة العودة‏!‏
وجاء اليوم المحدد لنظر القضية في‏10‏ ديسمبر حين انعقد المجلس الحسبي العالي برئاسة أتربي أبو العز باشا‏,‏ وكانت هيئة الدفاع عن نسيم باشا قد قدمت مذكرتين تعرضت إحداهما لتقرير الأطباء الذين كان قد ندبهم المجلس الحسبي فقامت بتفنيد ما جاء فيه من الوقائع وأن‏'‏ حضراتهم لم يكونوا يدونون محضرا عن كل مقابلة مع نسيم باشا‏,‏ وأنهم لم يضعوا تقريرهم إلا بعد انتهاء هذه المقابلات‏,‏ معتمدين علي ذاكرتهم وهذا يكفي في عدم التعويل علي الوقائع الواردة في تقريرهم‏'.‏
المذكرة الثانية تعرضت للقضية من الوجهة الفنية فأشارت إلي أن تقارير الأطباء الآخرين من أصحاب الشهرة العالمية قد نفت أن نسيم باشا مصاب بشلل أو ضعف يؤثر في قواه العقلية‏'‏ ومن ثم لا محل لطلب الحجر عليه بسبب العته‏.‏ هذا إلي أن أطباء المجلس أنفسهم قد أوصوا بعدم منع رفعته من إدارة شئونه وتسلم إيراداته وإنفاقها‏'.‏
وفي الجلسة التي انعقدت في ذلك اليوم طلبت هيئة الدفاع عن نسيم باشا سماع بعض أقوال الشهود من ذوي المكانة‏,‏ يوسف سليمان باشا وعبد المجيد عمر باشا من الوزراء السابقين والدكتور فارس نمر باشا الصحفي الكبير والدكتور محمد حسين هيكل بك وقد شهدوا جميعا أنهم رأوا نسيم باشا بعد مرضه واقتنعوا بأنه متمتع بكامل قواه العقلية‏.‏
وانقضت بقية الجلسة الصباحية في الاستماع إلي مرافعة توفيق دوس باشا محامي طالبي الحجر‏,‏ ومرافعة كامل صدقي بك عن صاحب المقام الرفيع‏,‏ وهي المرافعة التي استكملها في جلسة المساء كل من محرم فهيم بك والأستاذ إبراهيم الهلباوي بك‏.‏
وجاء فصل الخطاب في كلمة رئيس النيابة محمد جلال صادق بك الذي رأي أن تقارير الأطباء لا تدل علي أن‏'‏ بحضرة صاحب المقام الرفيع توفيق نسيم باشا ضعفا يبرر الحجر عليه‏,‏ وعلي ذلك فإن النيابة تطلب رفض طلب الحجر‏,‏ وتبع ذلك أن صدر قرار المجلس بهذا الرفض‏'‏ مع إلزام طالبي الحجر بالمصاريف‏',‏ وكما يحدث في مثل تلك المناسبات وقف أحد أصدقاء الباشا هاتفا بحياة العدل وردد الحاضرون الهتاف‏!!‏
ولم تنس الأهرام أن تنتهز الفرصة فهنأت صاحب المقام الرفيع بقرار المجلس‏'‏ الذي جاء مطابقا لما عرف عن مقامه الرفيع من رجاحة العقل وحسن التدبير وصدق الطوية والإخلاص في كل عمل تولاه‏,‏ والوفاء للواجب العام والخاص‏'.‏
لم يعد بعد ذلك ثمة ما يمنع الباشا من الاقتران بالفتاة النمساوية التي جاءت إلي مصر علي عجل‏,‏ غير أنه إذا كان القضاء قد أنصف الرجل فإن الزمن لم يكن في صفه‏,‏ إذ لم يعش مع الشابة الصغيرة إلا بضعة شهور افترقا بعدها‏,‏ فقد ثبت أن الخريف لا يلتقي أبدامع الربيع‏,‏ ولم ينقض وقت طويل علي هذا الفراق إلا ولقي الرجل ربه في‏7‏ مارس عام‏1938,‏ ولا ندري إذا كان قد مات من المرض أم من الكمد .